محمد بن جرير الطبري

39

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

يا محمد ، تخبرنا أن موسى كان معه عصًا يضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا ، وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيي الموتى ، وتخبرنا أن ثَمُود كانت لهم ناقة ، فأتنا بشيء من الآيات حتى نصدقك ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أيَّ شيء تحبُّون أن آتيكم به ؟ قالوا : تجعَلُ لنا الصَّفَا ذهبًا . فقال لهم : فإن فعلت تصدقوني ؟ قالوا : نعم والله ، لئن فعلت لنتبعنّك أجمعين ! ( 1 ) فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ، فجاءه جبريل عليه السلام فقال له : لك ما شئت ، ( 2 ) إن شئتَ أصبح ذهبًا ، ولئن أرسل آيةً فلم يصدقوا عند ذلك لنعذبنَّهم ، وإن شئت فأنْدِحْهُم حتى يتوب تائبهم . ( 3 ) فقال : بل يتوب تائبهم . فأنزل الله تعالى : ( وأقسموا بالله ) إلى قوله : ( يجهلون ) . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ } قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المخاطبين بقوله : ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) . فقال بعضهم : خوطب بقوله : ( وما يشعركم ) المشركون المقسمون بالله ،

--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ( أجمعون ) ) ، والصواب من المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة أسقط ( ( له ) ) ، وهي في المخطوطة . ( 3 ) في المطبوعة : ( ( فاتركهم حتى يتوب تائبهم ) ) ، وفي المخطوطة : ( ( ما نرحهم ) ) ، غير منقوطة ، ورجحت أن صواب ما أثبت ، وإن كنت لم أجد هذا الحرف في كتب اللغة ، وهو عندي من قولهم : ( ( ندحت الشيء ندحا ) ) ، إذ أوسعته وأفسحته ، ومنه قيل : ( ( إن لك في هذا الأمر ندحة ) ) ( بضم النون وفتحها وسكون الدال ) و ( ( مندوحة ) ) ، أي : سعة وفسحة . فقولهم : ( ( أندحهم ) ) ، أي : أفسح لهم ، واجعل لهم مندوحة في هذا الأمر حتى يتوب تائبهم . وهو حق المعنى إن شاء الله ، والقياس يعين عليه .