محمد بن جرير الطبري

334

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وفي هذا بيان واضح على فساد ما يقول القدرية ، ( 1 ) من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض الله أسبابَ ذلك إليه ، ( 2 ) وأن السبب الذي به يصل المؤمن إلى الإيمان ، هو السبب الذي به يصل الكافر إلى الكفر . وذلك أنّ ذلك لو كان كما قالوا : لكان الخبيث قد قال بقوله : ( فبما أغويتني ) ، " فبما أصلحتني " ، إذ كان سبب " الإغواء " هو سبب " الإصلاح " ، وكان في إخباره عن الإغواء إخبارٌ عن الإصلاح ، ولكن لما كان سبباهما مختلفين ، وكان السبب الذي به غوَى وهلك من عند الله . أضاف ذلك إليه فقال : ( فبما أغويتني ) . * * * وكذلك قال محمد بن كعب القرظي ، فيما : - 14363 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال ، حدثنا زيد بن الحباب قال ، حدثنا أبو مودود ، سمعت محمد بن كعب القرظي يقول : قاتل الله القدريّة ، لإبليس أعلمُ بالله منهم ! * * * وأما قوله : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) ، فإنه يقول : لأجلسن لبني آدم " صراطك المستقيم " ، يعني : طريقك القويم ، وذلك دين الله الحق ، وهو الإسلام وشرائعه . ( 3 ) وإنما معنى الكلام : لأصدَّن بني آدم عن عبادتك وطاعتك ، ولأغوينهم كما أغويتني ، ولأضلنهم كما أضللتني . وذلك كما روي عن سبرة بن أبي الفاكه : - ( 4 ) 14364 - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الشيطان قعد لابن آدم

--> ( 1 ) ( ( القدرية ) ) هم نفاة القدر الكافرون به ، وأما المؤمنون بالقدر ، وهم أهل الحق ، فيقال لهم ( ( أهل الإثبات ) ) ، وانظر فهارس المصطلحات والفرق فيما سلف . ( 2 ) ( ( التفويض ) ) ، رد الأسباب إليه ، وانظر بيان ذلك فيما سلف 1 : 162 ، تعليق : 3 / 11 : 340 ، / 12 : 92 ، وهو مقالة المعتزلة وأشباههم . ( 3 ) انظر تفسير ( ( الصراط المستقيم ) ) ، فيما سلف ص : 282 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . ( 4 ) في المطبوعة : ( ( سبرة بن الفاكه ) ) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب . انظر التعليق التالي ص 335 ، تعليق : 2 :