محمد بن جرير الطبري

326

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فأحوجك أن لا تسجد = فترك ذكر " أحوجك " ، استغناء بمعرفة السامعين قوله : ( إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) ، أن ذلك معنى الكلام ، من ذكره . ( 1 ) ثم عمل قوله : ( ما منعك ) ، في " أن " ما كان عاملا فيه قبل " أحوجك " لو ظهر ، إذ كان قد ناب عنه . وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب ، لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له ، وأن لكل كلمة معنًى صحيحًا ، فتبين بذلك فسادُ قول من قال : " لا " في الكلام حشو لا معنى لها . وأما قول من قال : معنى " المنع " ههنا " القول " ، فلذلك دخلت " لا " مع " أن " = فإن " المنعَ " وإن كان قد يكون قولا وفعلا فليس المعروف في الناس استعمالُ " المنع " ، في الأمر بترك الشيء ، لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادرًا على فعله وتركه ففعله ، لا يقال : " فعله " ، وهو ممنوع من فعله ، إلا على استكراه للكلام . وذلك أن المنع من الفعل حَوْلٌ بينه وبينه ، فغير جائز أن يكون وهو مَحُولٌ بينه وبينه فاعلا له ، لأنه إن جاز ذلك ، وجب أن يكون مَحُولا بينه وبينه لا محولا وممنوعًا لا ممنوعًا . ( 2 ) وبعدُ ، فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى ذكره بالسجود لآدم كبرًا ، فكيف كان يأتمر لغيره في ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم ، فيجوز أن يقال له : " أي شيء قال لك : لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له ؟ ولكن معناه إن شاء الله ما قلت : " ما منعك من السجود له فأحوجك ، أو : فأخرجك ، أو : فاضطرك إلى أن لا تسجد له " ، على ما بيَّنت . * * * وأما قوله : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ، فإنه خبرٌ من الله جل ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله : ما الذي منعه من السجود لآدم ،

--> ( 1 ) السياق : ( ( استغناء بمعرفة السامعين . . . من ذكره ) ) . ( 2 ) يعني أنه يجمع الصفتين معًا ( ( محول بينه وبينه ، وغير محول = وممنوع ، وغير ممنوع ) ) ، وهو تناقض .