محمد بن جرير الطبري

324

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قيل : إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له . غير أن في تأويل قوله : ( ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ) ، بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافًا ، أبدأ بذكر ما قالوا ، ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب . فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : ما منعك أن تسجد = و " لا " ها هنا زائدة ، كما قال الشاعر : ( 1 ) أبَى جُودُهُ لا البُخْلَ ، وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ . . . نَعَمْ ، مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قَاتِلهْ ( 2 ) وقال : فسرته العرب : " أبى جوده البخل " ، وجعلوا " لا " زائدةً حشوًا ها هنا ، وصلوا بها الكلام . قال : وزعم يونس أن أبا عمرو كان يجر " البخل " ، ويجعل " لا " مضافة إليه ، أراد : أبى جوده " لا " التي هي للبخل ، ويجعل " لا " مضافة ، لأن " لا " قد تكون للجود والبخل ، لأنه لو قال له : " امنع الحق ولا تعط المسكين " فقال : " لا " كان هذا جودًا منه . * * * وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله ، غير أنه زعم أن العلة في دخول " لا " في قوله : ( أن لا تسجد ) ، أن في أول الكلام جحدا = يعني بذلك قوله : ( لم يكن من الساجدين ) ، فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد ، الجحدَ ، كالاستيثاق والتوكيد له . قال : وذلك كقولهم : ( 3 )

--> ( 1 ) لا يعرف قائله . ( 2 ) اللسان ( نعم ) ، أمالي ابن الشجري 2 : 228 ، 231 ، شرح شواهد المغنى 217 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة : ( ( لا يمنع الجوع ) ) ، كما أثبته ، وكذلك ورد عن الفارسي في اللسان . وأما في المراجع الأخرى فروايته : ( ( لا يمنع الجود ) ) . ( 3 ) لم يعرف قائله .