محمد بن جرير الطبري

314

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فكذلك وزن الله أعمال خلقه ، بأن يوضع العبد وكتب حسناته في كفة من كفتي الميزان ، وكتب سيئاته في الكفة الأخرى ، ويحدث الله تبارك وتعالى ثقلا وخفة في الكفة التي الموزون بها أولى ، احتجاجًا من الله بذلك على خلقه ، كفعله بكثير منهم : من استنطاق أيديهم وأرجلهم ، استشهادًا بذلك عليهم ، وما أشبه ذلك من حججه . ويُسأل مَن أنكر ذلك فيقال له : إن الله أخبرنا تعالى ذكره أنه يثقل موازين قوم في القيامة ، ويخفف موازين آخرين ، وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحقيق ذلك ، فما الذي أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذي وصفنا صفته ، الذي يتعارفه الناس ؟ أحجة عقل تُبْعِد أن يُنال وجه صحته من جهة العقل ؟ ( 1 ) وليس في وزن الله جل ثناؤه خلقَه وكتبَ أعمالهم لتعريفهم أثقل القسمين منها بالميزان ، خروجٌ من حكمة ، ولا دخول في جور في قضية ، فما الذي أحال ذلك عندك من حجةِ عقلٍ أو خبر ؟ ( 2 ) إذ كان لا سبيل إلى حقيقة القول بإفساد ما لا يدفعه العقل إلا من أحد الوجهين اللذين ذكرتُ ، ولا سبيل إلى ذلك . وفي عدم البرهان على صحة دعواه من هذين الوجهين ، وضوحُ فساد قوله ، وصحة ما قاله أهل الحق في ذلك . وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في هذا المعنى على من أنكر الميزان الذي وصفنا صفته ، إذ كان قصدُنا في هذا الكتاب : البيانَ عن تأويل القرآن دون غيره . ولولا ذلك لقرنَّا إلى ما ذكرنا نظائره ، وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية لمن وُفِّق لفهمه إن شاء الله .

--> ( 1 ) في المطبوعة : أحجة عقل فقد يقال وجه صحته . . . وهو كلام غير مستقيم . وفي المخطوطة . ( ( أحجة عقل بعدان ننال وجه صحته . . . ) ) ، وكأن الصواب ما قرأته وأثبته . ( 2 ) في المطبوعة : ( ( فما الذي أحال عندك من حجة أعقل أو خبر ) ) ، وهو فاسد ، وفي المخطوطة : ( ( . . . من حجة أو عقل أو خبر ) ) ، بزيادة ( ( أو ) ) ، وبحذفها يستقيم الكلام .