محمد بن جرير الطبري

312

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وأن الله جل ثناؤه يزن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات ، كما قال جل ثناؤه : ( فمن ثقلت موازينه ) ، موازين عمله الصالح = ( فأولئك هم المفلحون ) ، يقول : فأولئك هم الذين ظفروا بالنجاح ، وأدركوا الفوز بالطلبات ، والخلود والبقاء في الجنات ، ( 1 ) لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " ما وُضِع في الميزان شيء أثقل من حسن الخُلق " ، ( 2 ) ونحو ذلك من الأخبار التي تحقق أن ذلك ميزانٌ يوزن به الأعمال ، على ما وصفت . * * * فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله عن الميزان وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عنه ، وِجْهَته ، وقال : أوَ بالله حاجة إلى وزن الأشياء ، وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده ، وفي كل حال ؟ = أو قال : وكيف توزن الأعمال ، والأعمال ليست بأجسام توصف بالثقل والخفة ، وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها ، وكثرتها من قلتها ، وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التي توصف بالثقل والخفة ، والكثرة والقلة ؟ قيل له في قوله : " وما وجه وزن الله الأعمالَ ، وهو العالم بمقاديرها قبل كونها " : وزن ذلك ، نظيرُ إثباته إياه في أمِّ الكتاب واستنساخه ذلك في الكتب ، من غير حاجة به إليه ، ومن غير خوف من نسيانه ، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده ، بل ليكون ذلك حجة على خلقه ، كما قال جل ثناؤه في تنزيله : ( كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ) [ سورة الجاثية : 28 - 29 ] الآية . فكذلك

--> ( 1 ) انظر تفسير ( ( الفلاح ) ) فيما سلف ص : 130 تعليق : 2 والمراجع هناك . ( 2 ) روى الترمذي في سننه في كتاب ( ( البر والصلة ) ) باب ( ( ما جاء في حسن الخلق ) ) ، عن أبي الدرداء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق خسن ، فإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء ) ) ، ثم قال : ( ( وفي الباب عن عائشة ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأسامة بن شريك . هذا حديث حسن صحيح ) ) . وقال السيوطي في الدر المنثور 3 : 71 ( ( وأخرجه أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان واللالكائي ، عن أبي الدرداء ) ) .