محمد بن جرير الطبري

305

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

مجيء البأس ، والله يخبر عنهم أنهم قالوه حين جاءهم ، لا قبل ذلك ؟ أو قالوه بعد ما جاءهم ، فتلك حالة قد هلكوا فيها ، فكيف يجوز وصفهم بقيل ذلك إذا عاينوا بأس الله ، وحقيقة ما كانت الرسل تَعِدهم من سطوة الله ؟ . ( 1 ) قيل : ليس كل الأمم كان هلاكها في لحظة ليس بين أوّله وآخره مَهَلٌ ، بل كان منهم من غرق بالطوفان . فكان بين أوّل ظهور السبب الذي علموا أنهم به هالكون ، وبين آخره الذي عمَّ جميعهم هلاكُه ، المدة التي لا خفاء بها على ذي عقل . ومنهم من مُتِّع بالحياة بعد ظهور علامة الهلاك لأعينهم أيامًا ثلاثة ، كقوم صالح وأشباههم . فحينئذ لما عاينوا أوائل بأس الله الذي كانت رسل الله تتوعدهم به ، وأيقنوا حقيقة نزول سطوة الله بهم ، دعوا : ( يا ويلنا إنا كنا ظالمين ) ، فلم يك ينفعهم إيمانهم مع مجيء وعيد الله وحلول نقمته بساحتهم . فحذّر ربنا جل ثناؤه الذين أرسل إليهم نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم من سطوته وعقابه على كفرهم به وتكذيبهم رسوله ، ما حلَّ بمن كان قبلهم من الأمم إذ عصوا رُسله ، واتبعوا أمر كل جبار عنيد . * * * القول في تأويل قوله : { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : لنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي : ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي ؟ هل عملوا بما أمرتهم به ، وانتهوا عما نهيتهم عنه ، وأطاعوا أمري ، أم عصوني فخالفوا ذلك ؟ = ( ولنسألن

--> ( 1 ) في المخطوطة وصل الكلام هكذا : ( ( وحقيقة ما كانت الرسل تعدهم من سطوة الله وليس كل الأمم ) ) ، بالواو ، وليس فيها ( ( قيل ) ) ، وقد أحسن الناشر الأول فيما فعل ، وإن كنت أظن أن في الكلام سقطًا .