محمد بن جرير الطبري
275
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
جاء بها = ( ومن جاء بالسيئة ) ، يقول : ومن وافى يوم القيامة منهم بفراق الدِّين الحقّ والكفر بالله ، فلا يجزى إلا ما ساءه من الجزاء ، كما وافى الله به من عمله السيئ ( 1 ) = ( وهم لا يظلمون ) ، يقول : ولا يظلم الله الفريقين ، لا فريق الإحسان ، ولا فريق الإساءة ، بأن يجازي المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان ، ولكنه يجازي كلا الفريقين من الجزاء ما هو له ، لأنه جل ثناؤه حكيمٌ لا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه ، ولا يجازي أحدًا إلا بما يستحقّ من الجزاء . * * * وقد دللنا فيما مضى على أن معنى " الظلم " ، وضع الشيء في غير موضعه ، بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع . ( 2 ) * * * قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فإن كان الأمر كما ذكرت ، من أن معنى " الحسنة " في هذا الموضع : الإيمان بالله ، والإقرار بوحدانيته ، والتصديق برسوله = " والسيئة " فيه : الشرك به ، والتكذيب لرسوله = أفللإيمان أمثال فيجازى بها المؤمن ؟ ( 3 ) وإن كان له مثل ، فكيف يجازى به ، و " الإيمان " ، إنما هو عندك قول وعمل ، والجزاء من الله لعباده عليه الكرامة في الآخرة ، والإنعام عليه بما أعدّ لأهل كرامته من النعيم في دار الخلود ، وذلك أعيان ترى وتعاين وتحسّ ويلتذّ بها ، لا قول يسمع ، ولا كسبُ جوارح ؟ قيل : إن معنى ذلك غير الذي ذهبتَ إليه ، وإنما معناه : من جاء بالحسنة فوافَى الله بها له مطيعًا ، فإن له من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها . فإن قال : قلت فهل لقول " لا إله إلا الله " من الحسنات مثل ؟
--> ( 1 ) انظر تفسير ( ( السيئة ) ) فيما سلف من فهارس اللغة ( سوأ ) . ( 2 ) انظر تفسير ( ( الظلم ) ) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) . ( 3 ) في المطبوعة : ( ( فللإيمان ) ) بغير همزة الاستفهام ، والصواب ما في المخطوطة .