محمد بن جرير الطبري

210

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فإن قال قائل : وما برهانك على أن الله تعالى إنما كذب من قيل هؤلاء المشركين قولهم : " رضي الله منا عبادة الأوثان ، وارأد منا تحريم ما حرمنا من الحروث والأنعام " ، دون أن يكون تكذيبه إياهم كان على قولهم : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) ، وعلى وصفهم إياه بأنه قد شاء شركهم وشرك آبائهم ، وتحريمهم ما كانوا يحرمون ؟ قيل له : الدلالة على ذلك قوله : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) ، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم سلكوا في تكذيبهم نبيهم محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما آتاهم به من عند الله = من النهي عن عبادة شيء غير الله تعالى ذكره ، وتحريم غير ما حرّم الله في كتابه وعلى لسان رسوله = مسلكَ أسلافهم من الأمم الخالية المكذبة اللهَ ورسولَه . والتكذيبُ منهم إنما كان لمكذَّب ، ولو كان ذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قيلهم : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) ، لقال : " كذلك كذَبَ الذين من قبلهم " ، بتخفيف " الذال " ، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله ، لا إلى التكذيب = مع علل كثيرة يطول بذكرها الكتاب ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه . * * * القول في تأويل قوله : { قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ ( 148 ) } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، المحرِّمين ما هم له محرِّمون من الحُروث والأنعام ، القائلين : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) ، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من الشرك وتحريم ما نحرم : " هل عندكم " ،