محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) [ سورة القيامة : 22 - 23 ] ، قال : هم ينظرون إلى الله ، لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره يحيط بهم ، فذلك قوله : " لا تدركه الأبصار " ، الآية . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : واعتل قائلوا هذه المقالة لقولهم هذا ، بأن قالوا : إن الله قال : " حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت " ، ( 2 ) [ يونس : 90 ] قالوا : فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون ، ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه ، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئًا . قالوا : فمعنى قوله : " لا تدركه الأبصار " بمعنى : لا تراه ، بعيد . لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه ، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل أصحاب موسى صلى الله عليه وسلم لموسى حين قرُب منهم أصحاب فرعون : ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) ، [ سورة الشعراء : 61 ] ، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أنهم لا يُدْرَكون ، لقوله : ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى ) ، [ سورة طه : 77 ] . قالوا : فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه ، ويدركه ولا يراه ، فكان معلومًا بذلك أن قوله : " لا تدركه الأبصار " ، من معنى : لا تراه الأبصار ،

--> ( 1 ) الأثر : 13696 - ( ( سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ) ) ثقة ، روي عنه آنفًا برقم : 436 . وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا ( ( يونس بن عبد الله بن الحكم ) ) ، وهو خطأ ، والصواب ما سيأتي في التفسير 29 : 120 ( بولاق ) ، حيث روى هذا الخبر نفسه ، بإسناده عن ( ( سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ) ) . و ( ( خالد بن عبد الرحمن الخراساني المروروذي ) ) روى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وأخوه ( ( سعد ) ) . قال أبو حاتم : ( ( شيخ ، ليس به بأس ) ) . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 341 . وأما ( ( أبو عرفجة ) ) ، فلم أعرف من يكون . و ( ( عطية العوفي ) ) ، هو ( ( عطية بن سعد بن جنادة العوفي ) ) ، وهو ضعيف ، مضى مرارًا ، واستوفى أخي السيد أحمد الكلام فيه في رقم : 305 . وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر مرة أخرى في التفسير 29 : 120 ( بولاق ) . ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة : ( ( فلما أدركه الغرق ) ) ، وهو سهو ، فإن نص التلاوة ما أثبت .