محمد بن جرير الطبري
138
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
روي عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيِّد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشام ، رأيتُ رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه ، وذلك قول قائلهم : فَزَجَجْتُهُ مُتَمَكِّنًا . . . زَجَّ القَلُوصَ أَبي مَزَادَهْ ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أستجيز غيرها : ( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ) ، بفتح الزاي من " زين " ، ونصب " القتل " بوقوع " زين " عليه ، وخفض " أولادهم " بإضافة " القتل " إليهم ، ورفع " الشركاء " بفعلهم ، لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتلَ أولادهم ، على ما ذكرتُ من التأويل . وإنما قلت : " لا أستجيز القراءة بغيرها " ، لإجماع الحجة من القراءة عليه ، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد ، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة . * * * ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد ، ثم قرأ قارئ : " وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ " ، بضم الزاي من " زين " ، ورفع " القتل " ، وخفض " الأولاد " و " الشركاء " ، على
--> ( 1 ) معاني القرآن للفراء 1 : 358 ، الإنصاف : 179 ، الخزانة 2 : 251 ، والعيني ( بهامش الخزانة ) 3 : 468 ، وغيرها كثير . ( ( زج ) ) : دفع بالزج ، وهو الحديدة التي في أسفل الرمح . و ( ( القلوص ) ) الناقة الفتية ، و ( ( أبو مزادة ) ) اسم رجل . وهذا البيت شاهد على ما ذهب إليه الكوفيون من جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض ، لضرورة الشعر . والتقدير : زج أبي مزادة القلوص ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالقلوص ، وهو مفعول ، وليس بظرف ولا حرف خفض . وهذا وإن كان مقالة الكوفيين ، فإن الفراء قد رده في معاني القرآن 1 : 358 ، وقال هو ليس بشيء .