محمد بن جرير الطبري

126

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) } قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : " وربك " ، يا محمد ، الذي أمر عباده بما أمرهم به ، ونهاهم عما نهاهم عنه ، وأثابهم على الطاعة ، وعاقبهم على المعصية = " الغني " ، عن عباده الذين أمرهم بما أمر ، ونهاهم عما نهى ، وعن أعمالهم وعبادتهم إياه ، وهم المحتاجون إليه ، لأنه بيده حياتهم ومماتهم ، وأرزاقهم وأقواتهم ، ونفعهم وضرهم . ( 1 ) يقول عز ذكره : فلم أخلقهم ، يا محمد ، ولم آمرهم بما أمرتهم به ، وأنههم عما نهيتهم عنه ، لحاجةٍ لي إليهم ، ولا إلى أعمالهم ، ولكن لأتفضَّل عليهم برحمتي ، وأثيبهم على إحسانهم إن أحسنوا ، فإني ذو الرَّأفة والرحمة . ( 2 ) * * * وأما قوله : ( إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ) ، فإنه يقول : إن يشأ ربُّك ، يا محمد ، الذي خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه = ( يذهبكم ) ، يقول : يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم ( 3 ) = ( ويستخلف من بعدكم ما يشاء ) ، يقول : ويأت بخلق غيركم وأمم سواكم ، يخلفونكم في الأرض = " من بعدكم " ، يعني : من بعد فنائكم وهلاككم = ( كما أنشأكم من ذريَّة قوم آخرين ) ، كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلَكم . * * *

--> ( 1 ) انظر تفسير ( ( الغنى ) ) فيما سلف 5 : 521 ، 570 / 9 : 296 . ( 2 ) انظر تفسير ( ( الرحمة ) ) فيما سلف من فهارس اللغة ( رحم ) . ( 3 ) انظر تفسير ( ( الإذهاب ) ) فيما سلف 9 : 298 .