محمد بن جرير الطبري

108

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بمعنى : ضيّق . وحكي عن الكسائي أنه كان يقول : " الضيِّقُ " ، بالكسر : في المعاش والموضع ، وفي الأمر " الضَّيْق " . * * * قال أبو جعفر : وفي هذه الآية أبينُ البيان لمن وُفّق لفهمهما ، عن أن السبب الذي به يُوصل إلى الإيمان والطاعة ، غير السبب الذي به يُوصل إلى الكفر والمعصية ، وأن كلا السببين من عند الله . ( 1 ) وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن نفسه أنه يشرح صدرَ من أراد هدايته للإسلام ، ويجعل صدر من أراد إضلاله ضيِّقًا عن الإسلام حَرَجًا كأنَّما يصعد في السماء . ومعلومٌ أن شرح الصدر للإيمان خِلافُ تضييقه له ، وأنه لو كان يوصل بتضييق الصدر عن الإيمان إليه ، لم يكن بين تضييقه عنه وبين شرحه له فرق ، ولكان من ضُيِّق صدره عن الإيمان ، قد شُرِح صدره له ، ومن شرح صدره له ، فقد ضُيِّق عنه ، إذ كان مَوْصولا بكل واحد منهما = أعني من التضييق والشرح = إلى ما يُوصَل به إلى الآخر . ولو كان ذلك كذلك ، وجب أن يكون الله قد كان شرح صدرَ أبي جهل للإيمان به ، وضيَّق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه . وهذا القول من أعظم الكفر بالله . وفي فساد ذلك أن يكون كذلك ، الدليلُ الواضح على أن السَّبب الذي به آمن المؤمنون بالله ورسله ، وأطاعه المطيعون ، غير السبب الذي كفر به الكافرون بالله وعصاه العاصون ، وأن كِلا السببين من عند الله وبيده ، لأنه أخبر جل ثناؤه أنه هو

--> ( 1 ) هذا رد على المعتزلة ، وانظر ما سلف ص : 92 ، تعليق : 3 ، وهو من أجود الردود على دعوى المعتزلة .