محمد بن جرير الطبري
99
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فإن قال : فإن قوله : " لهم مغفرة وأجر عظيم " خبرٌ مبتدأ ، ولو كان هو الموعود لقيل : " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرًا عظيمًا ، ولم يدخل في ذلك " لهم " ، وفي دخول ذلك فيه ، دلالة على ابتداء الكلام ، وانقضاء الخبر عن الوعد ! قيل : إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكرتَ ، فإنه مما اكتُفي بدلالة ما ظهر من الكلام على ما بطن من معناه = من ذكر بعضٍ قد ترك ذكره فيه ، وذلك أن معنى الكلام : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يغفر لهم ويأجرهم أجرًا عظيما = لأن من شأن العرب أن يُصْحِبوا " الوعد " " أن " ويعملوه فيها ، فتركت " أن " إذ كان " الوعد " قولا . ومن شأن " القول " أن يكون ما بعده من جمل الأخبار مبتدأ ، وذكر بعده جملة الخبر اجتزاءً بدلالة ظاهر الكلام على معناه ، وصرفا للوعد = الموافق للقول في معناه وإن كان للفظه مخالفا = إلى معناه ، ( 1 ) فكأنه قيل : " قال الله : للذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجر عظيم " . * * * وكان بعض نحويي البصرة يقول ، إنما قيل : " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم " ، في الوعد الذي وُعِدوا ( 2 ) = فكأن معنى الكلام على تأويل قائل هذا القول : وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحات ، لهم مغفرة وأجر عظيم ، [ فيما وعدهم به ] . ( 3 ) * * *
--> ( 1 ) السياق : " وصرفا للوعد . . إلى معناه " ، أي : إلى معنى القول . ( 2 ) في المطبوعة : " الوعد الذي وعدوا " بإسقاط " في " ، وهي في المخطوطة مكتوبة بسن القلم بين " عظيم " و " الوعد " . ( 3 ) اقتصر في هذا الموضع في المطبوعة والمخطوطة على نص الآية ، واستظهرت تمام الكلام من تفسير القرطبي 6 : 110 ، وقد عقب عليه بقوله : " وهذا المعنى عن الحسن " ، فلا أدري أأصبت في ذلك ، أم أخطأني التوفيق !