محمد بن جرير الطبري

64

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

غير أنّ ذلك وإن كان كذلك ، وكانت القراءتان كلتاهما حسنًا صوابًا ، فأعجب القراءتين إليّ أن أقرأها ، قراءة من قرأ ذلك خفضًا ، لما وصفت من جمع " المسح " المعنيين اللذين وصفت ، ولأنه بعد قوله : " وامسحوا برءوسكم " فالعطف به على " الرؤوس " مع قربه منه ، أولى من العطف به على " الأيدي " ، وقد حيل بينه وبينها بقوله : " وامسحوا برءوسكم " . * * * فإن قال قائل : وما الدليل على أن المراد بالمسح في الرجلين العموم ، دون أن يكون خصوصًا ، نظيرَ قولك في المسح بالرأس ؟ قيل : الدليل على ذلك ، تظاهرُ الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ويل للأعقاب وبُطون الأقدام من النار " . ولو كان مسح بعض القدم مجزئا عن عمومها بذلك ( 1 ) لما كان لها الويل بترك ما تُرك مسحه منها بالماء بعد أن يُمسح بعضها . لأن من أدَّى فرض الله عليه فيما لزمه غسلُه منها لم يستحق الويل ، بل يجب أن يكون له الثواب الجزيل . وفي وجوب الويل لعَقِب تارك غسل عَقِبه في وضوئه ، ( 2 ) أوضحُ الدليل على وجوب فرض العموم بمسح جميع القدم بالماء ، وصحةِ ما قلنا في ذلك ، وفسادِ ما خالفه . * * * ذكر بعض الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا : 11497 - حدثنا حميد بن مسعدة قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد قال : كان أبو هريرة يمرُّ ونحن نتوضأ من المَطْهَرة ، فيقول : ( 3 ) أسبغوا الوضوء ، اسبغوا الوضوء ، قال أبو القاسم : ويلٌ للعراقيبِ من النار .

--> ( 1 ) في المطبوعة : " مجزئا عن عمومها " ، والصواب من المخطوطة ، وكأن الناشر قد اعتاد أن يضع " عن " ، مكان " من " في مثل هذا ، انظر ما سلف : ص : 25 ، تعليق : 3 . ( 2 ) في المطبوعة : " فوجب الويل " ، وهو فاسد . وفي المخطوطة : " في وجوب الويل " ، سقط من الناسخ " الواو " من أول الكلام ، فأثبتها . ( 3 ) " المطهرة " ( بفتح الميم ، وكسرها ) : الإناء الذي يكون فيه الماء ، ليتوضأ منه .