محمد بن جرير الطبري
517
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
12345 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين " ، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يومًا فذكر الناس ، ثم قام ولم يزدهم على التَّخويف . فقال أناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة ، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون : ما خِفْنا إن لم نُحْدِث عملا ! ( 1 ) فإنّ النصارى قد حرَّموا على أنفسهم ، فنحن نحرِّم ! فحرَّم بعضهم أكل اللَّحم والوَدَك ، وأن يأكل بالنهار ، ( 2 ) وحرَّم بعضهم النوم ، وحرَّم بعضهم النساء . فكان عثمان بن مظعون ممَّن حرم النساءَ ، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه . فأتت امرأتُه عائشةَ ، وكان يقال لها : " الحولاء " ، فقالت لها عائشة ومن عندها من نساءِ النبيّ صلى الله عليه وسلم : ما بالُك ، يا حولاءُ متغيِّرةَ اللون لا تمتشِطين ولا تطيَّبين ؟ فقالت : وكيف أتطيَّب وأمتشط ، وما وقع عليّ زوجي ، ولا رفع عني ثوبًا ، منذ كذا وكذا ! فجعلن يَضحكن من كلامها . فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنّ يضحكن ، فقال : ما يضحككن ؟ قالت : يا رسول الله ، الحولاءُ ، سألتها عن أمرها فقالت : " ما رفع عني زوجي ثوبًا منذ كذا وكذا " ! فأرسل إليه فدعاه فقال : ما بالك يا عثمان ؟ قال : إني تركته لله لكي أتخلَّى للعبادة ! وقَصَّ عليه أمره . وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ نفسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقسمتُ عليك إلا رجعت فواقعتَ أهلك ! فقال : يا رسول الله إني صائم ! قال : أفطر ! فأفطر ، وأتى أهله . فرجعت الحولاءُ إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيَّبت . فضحكت عائشة ، فقالت : ما بالك يا حولاء ؟ فقالت : إنه أتاها أمس ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
--> ( 1 ) في المطبوعة : " ما حقنا " ، وفي المخطوطة : " ما حفنا " ، وصواب قراءته ما أثبت . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفهم عقاب الله ، فقالوا : لم نبلغ من الخوف مبلغًا يرضاه ربنا ، إن لم نعمل عملا يدل على شدة المخافة . ( 2 ) " الودك " ( بفتحتين ) : دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه .