محمد بن جرير الطبري
51
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن الله جل ثناؤه أمر بالمسح برأسه القائمَ إلى صلاته مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه ، ولم يحدَّ ذلك بحدٍّ لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه . وإذ كان ذلك كذلك ، فما مسح به المتوضئ من رأسه فاستحقَّ بمسحه ذلك أن يقال : " مسح برأسه " ، فقد أدّى ما فرض الله عليه من مسح ذلك لدخوله فيما لزمه اسم " ماسحٍ برأسه " إذا قام إلى صلاته . ( 1 ) * * * فإن قال لنا قائل : فإن الله قد قال في التيمم : ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) [ سورة النساء : 43 ] أفيجزئ المسحُ ببعض الوجه واليدين في التيمم ؟ قيل له : كلَّ ما مسح من ذلك بالتراب ، فيما تنازعت فيه العلماء = فقال بعضهم : " يجزيه ذلك من التيمم " وقال بعضهم : " لا يجزيه " = فهو مجزئه ، لدخوله في اسم " الماسحين به " . وما كان من ذلك مجمعا على أنه غير مجزئه ، فمسلَّم لما جاءت به الحجة نقلا عن نبيِّها صلى الله عليه وسلم . ولا حجة لأحد علينا في ذلك ، إذ كان من قولنا : إن ما جاء في آي الكتاب عامًّا في معنىً ، فالواجب الحكم أنه على عمومه ، ( 2 ) حتى يخصه ما يجب التسليم له ، فإذا خُصَّ منه شيء ، كان ما خُصَّ منه خارجا من ظاهره ، وحكم سائره على العموم . ( 3 ) وقد بيَّنا العلة الموجبة صحة القول بذلك في غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ( 4 ) * * * و " الرأس " الذي أمر الله جل وعز بالمسح به بقوله : " وامسحوا برءوسكم
--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : " اسم مامسح " ، وصواب قراءتها ما أثبت . ( 2 ) في المطبوعة : " فالواجب الحكم به على عمومه " ، وأسقط " من " . وفي المخطوطة : " فالواجب من الحكم به على عمومه " ، وهو الصواب ، مع جعل " به " " أنه " ، كما أثبتها . ( 3 ) انظر تفسير آية التيمم في 8 : 410 - 425 . ( 4 ) انظر القول في الخصوص والعموم فيما سلف 2 : 207 ، 539 / 4 : 134 / 5 : 40 ، 130 ، وفي مواضع أخرى كثيرة متفرقة .