محمد بن جرير الطبري

502

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عيسى ، فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق ، ولم يستكبروا عنه . * * * وأما قوله تعالى : " ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهبانًا " ، فإنه يقول : قَرُبت مودَّة هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للمؤمنين ، من أجل أنّ منهم قسيسين ورهبانًا . * * * و " القسيسون " جمع " قسيس " . وقد يجمع " القسيس " ، " قسوسًا " ، ( 1 ) لأن " القَسّ " و " القسيس " ، بمعنى واحد . * * * وكان ابن زيد يقول في " القسيس " بما : - 12321 - حدثنا يونس قال ، حدثنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : " القسيس " ، عبَّادُهم . ( 2 ) * * * وأما الرهبان ، فإنه يكون واحدًا وجمعًا . فأما إذا كان جمعًا ، فإن واحدهم يكون " راهبًا " ، ويكون " الراهب " ، حينئذ " فاعلا " من قول القائل : " رَهب الله فلان " ، بمعنى خافه ، " يرهبه رَهَبًا ورَهْبَا " ، ثم يجمع " الراهب " ، " رهبان " مثل " راكب " و " ركبان " ، و " فارس " و " فرسان " . ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب جمعًا قول الشاعر : ( 3 ) رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنزلُوا . . . والْعُصْمُ مِنْ شَعَفِ الْعَقُولِ الفَادِرِ ( 4 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " قسوس " ، والصواب من المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة : " القسيسين " ، بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب ، ولا بأس هنا بشرح المفرد بالجمع . ( 3 ) هو جرير ، ونسبه ياقوت في معجم البلدان لكثير عزة ، وأدخله في شعره جامع ديوانه ص : 240 ، والصواب أنه لجرير . ( 4 ) ديوانه : 305 ، وسيأتي في التفسير 20 : 34 ( بولاق ) وديوان كثير 1 : 240 ، واللسان ( رهب ) ومعجم البلدان ( مدين ) ، من قصيدة هجا فيها الأخطل والفرزدق ، يقول قبله : يَا أُمَّ طَلْحَةَ ، مَا لَقِينَا مِثْلكُمْ . . . فِي الْمُنْجِدِينَ ولا بغَوْرِ الغَائِرِ و " مدين " مدينه شعيب عليه السلام ، على بحر القلزم ، تجاه تبوك ، بين المدينة والشام ، ذكرها كثير أيضًا في شعره فقال : اللهُ يَعْلَمُ لَوْ أَرَدْتُ زِيَادَةً . . . في حُبِّ عَزَّةَ ما وجدْتُ مَزِيدَا رُهْبَانُ مَدْيَنَ وَالَّذِينَ عَهِدْتُهُمْ . . . يَبْكُونَ مِنْ حَذَر العَذَابِ قُعُودَا لَوْ يَسْمَعُونَ كَمَا سَمِعْتُ كَلامَها . . . خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وَسُجُودَا و " العقول " عندي بفتح العين ، من قولهم : " عقل الوعل يعقل عقولا " ، امتنع برأس الجبل ، فهو " عاقل " وبذلك سمي ، والقياس يقبل أيضًا " فهو عقول " ( بفتح العين ) . وفي الديوان ، ضبط بالقلم " العقول " ( بضم العين ) ، جمع " عقل " ( بفتح فسكون ) : وهو المعقل والحصن . ولست أرضى ذلك هنا ، وروى صاحب المعجم " والعصم في شعف الجبال " ، وهي موافقة في المعنى لمن ضبط " العقول " بضم العين ، وأرجح أن صواب إنشاده في المعجم " من شعف الجبال " . و " الشعف " جمع " شعفة " ( بفتحتين ) : وهي رأس الجبل . و " الفادر " : الوعل العاقل الممتنع في رأس الجبل ، وهو حينئذ مسن معتقل في رأس جبله . و " العصم " جمع " أعصم " : وهو الوعل . سمى بالصفة الغالبة ، لأن في إحدى يديه بياضًا . وذلك أن " العصم " و " العصمة " : البياض في الذراعين أو إحداهما . ولما كان " العصم " جمعًا ، أنفت أن أجعل " الفادر " من صفته ، لو قرئ " العقول " ( بضم العين ) بمعنى : الحصون والملاجئ ، بل جعلتها بفتح العين ، بمعنى أن العصم غير المسنة تنزلت أيضا من المعقل الذي يعقل إليه مسن الوعول امتناعًا من الصيد ، لقلة احتفاله بمفارقة معقله ، كاحتفال شواب الوعول .