محمد بن جرير الطبري
455
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قالوا : ولو كان [ معنى " اليد " ، النعمة ، أو القوة ، أو الملك ، ما كان لخصوصِه ] آدم بذلك وجه مفهوم ، ( 1 ) إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته ، ومشيئتُه في خلقه تعمةٌ ، وهو لجميعهم مالك . قالوا : وإذ كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقَه إياه بيده دون غيره من عباده ، كان معلومًا أنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، بطل قول من قال : معنى " اليد " من الله ، القوة والنعمة أو الملك ، في هذا الموضع . قالوا : وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون أن : " يد الله " في قوله : " وقالت اليهود يد الله مغلولة " ، هي نعمته ، لقيل : " بل يده مبسوطة " ، ولم يقل : " بل يداه " ، لأن نعمة الله لا تحصى كثرة . ( 2 ) وبذلك جاء التنزيل ، يقول الله تعالى : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) [ سورة إبراهيم : 34 \ وسورة النحل : 18 ] قالوا : ولو كانت نعمتين ، كانتا محصاتين . قالوا : فإن ظن ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة ، فذلك منه خطأ ، وذلك أنّ العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه ، وذلك كقول الله تعالى ذكره : ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) [ سورة العصر : 1 ، 2 ] وكقوله ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ ) ، [ سورة الحجر : 26 ] وقوله : ( وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) [ سورة الفرقان : 55 ] ، قال : فلم يُرَدْ ب - " الإنسان " و " الكافر " في هذه الأماكن إنسان بعينه ، ولا كافر مشار إليه حاضر ، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار ، ولكن الواحد أدَّى عن جنسه ، كما تقول العرب :
--> ( 1 ) هذه الزيادة بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام ، استظهرتها من سياق هذه الحجج ما استطعت ، وإسقاطها مفسد للكلام . ( 2 ) في المطبوعة : " لا تحصى بكثرة " ، وأثبت ما في المخطوطة .