محمد بن جرير الطبري

451

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ذكره في تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم : ( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ) [ سورة الإسراء : 29 ] . * * * وإنما وصف تعالى ذكره " اليد " بذلك ، والمعنى العَطاء ، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم الغالبَ بأيديهم . فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا ، إذا وصفوه بجود وكرم ، أو ببخل وشحّ وضيق ، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه ، كما قال الأعشى في مدح رجل : يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ ، فَكَفٌ مُفِيدَةٌ . . . وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ ( 1 ) فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى " اليد " . ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى . فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم فقال : " وقالت اليهود يد الله مغلولة " ، يعني بذلك : أنهم قالوا : إن الله يبخل علينا ، ويمنعنا فضله فلا يُفْضِل ، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطَها بعطاء ولا بذلِ معروف ، تعالى الله عما قالوا ، أعداءَ الله ! ( 2 )

--> ( 1 ) ديوانه : 150 ، وغيره . من قصيدته الغالية التي رفعت المحلق وطارت بذكره في الآفاق ، يقول له : لَعَمْرِي لَقَدْ لاحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ . . . إلَى ضَوْءِ نارٍ في يَفَاٍع تُحَرَّقُ تُشَبُّ لمقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهِا . . . وَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى والمحَلَّقُ رَضِيعَيْ لِبَانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَحَالفَا . . . بِأَسْحَمَ عَوْضَ الدَّهْرِ لا نَتَفَرَّقُ تَرَى الجُودَ يَجْرِيِ ظَاهِرًا فَوْقَ وَجْهِهِ . . . كَمَا زَانَ مَتْنَ الهُنْدُوَانِيِّ رَوْنَقُ يَدَاهُ يَدَا صِدْقٍ ، فَكفٌّ مُفِيدَةٌ . . . وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُ هذه رواية مخطوطة ديوانه التي صورتها حديثًا ، ورواية هذه المخطوطة تخالف الرواية المطبوعة في أشياء كثيرة ، ولا سيما في ترتيب أبيات الشعر . ( 2 ) في المطبوعة : " عما قال أعداء الله " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقوله : " أعداء الله " منصوب على الذم .