محمد بن جرير الطبري

45

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فإذا كان ذلك كذلك ، فلا شك أن مثلَ العينين في مؤنة إيصال الماء إليهما عند الوضوء ما بطن من الأنف والفم وشَعَر اللحية والصدغين والشاربين ، لأن كل ذلك لا يصل الماء إليه إلا بعلاجٍ لإيصال الماء إليه نحو كلفة علاج الحدقتين لإيصال الماء إليهما أو أشدّ . وإذا كان ذلك كذلك ، كان بيِّنًا أن غسل مَنْ غسل من الصحابة والتابعين ما تحت منابت شعر اللحية والعارضين والشاربين ، وما بطن من الأنف والفم ، إنما كان إيثارًا منه لأشق الأمرين عليه : من غسل ذلك وترك غسله ، كما آثر ابن عمر غسل ما تحت أجفان العينين بالماء بصبِّه الماء في ذلك = لا على أنّ ذلك كان عليه عنده فرضا واجبا . فأما من ظنّ أن ذلك من فعلهم كان على وجه الإيجاب والفرض ، فإنه خالف في ذلك بقوله منهاجَهم وأغفل سبيلَ القياس ، لأن القياس هو ما وصفنا من تمثيل المختلف فيه من ذلك ، بالأصل المجمع عليه من حكم العينين = وأنْ لا خبر عن واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب على تارك إيصال الماء في وضوئه إلى أصول شعر لحيته وعارضيه ، وتارك المضمضة والاستنشاق إعادةَ صلاته إذا صلى بطهره ذلك . ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا من أن فعلهم ما فعلوا من ذلك كان إيثارا منهم لأفضل الفعلين من الترك والغسل . فإن ظن ظان أن في الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : 11431 - " إذا توضأ أحدكم فليستنثر " . ( 1 ) = دليلا على وجوب الاستنثار ، فإن في إجماع الحجة على أن ذلك غيرُ فرض واجب ، يجب على من تركه إعادة الصلاة التي صلاها قبل غسله ، ما يغني عن إكثار القول فيه . * * *

--> ( 1 ) الأثر : 11431 - هذا خبر لم يذكر إسناده ، وانظر مثل لفظه في البخاري ( فتح 1 : 229 ) .