محمد بن جرير الطبري

400

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله عز ذكره : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " ، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين ، فإنه منهم . يقول : فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين ، فهو من أهل دينهم وملتهم ، فإنه لا يتولى متولً أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ . وإذا رضيه ورضي دينَه ، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه ، وصار حكُمه حُكمَه ، ( 1 ) ولذلك حَكَم مَنْ حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم ، بأحكام نصَارَى بني إسرائيل ، لموالاتهم إياهم ، ورضاهم بملتهم ، ونصرتهم لهم عليها ، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة ، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقًا . * * * وفي ذلك الدلالةُ الواضحة على صحة ما نقول ، من أن كل من كان يدين بدينٍ فله حكم أهل ذلك الدين ، كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده . إلا أن يكون مسلمًا من أهل ديننا انتقل إلى ملّة غيرِها ، فإنه لا يُقَرُّ على ما دان به فانتقل إليه ، ولكن يقتل لردَّته عن الإسلام ومفارقته دين الحق ، إلا أن يرجع قبل القَتْل إلى الدين الحق = ( 2 ) وفسادِ ما خالفه من قول من زعم : أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم ، إلا أن يكون إسرائيليًّا أو منتقلا إلى دينهم من غيرهم قبل نزول الفرقان . فأما من دان بدينهم بعد نزول الفُرْقان ، ممن لم يكن منهم ، ممن خالف نسبُه نسبهم وجنسه جنسهم ، فإنه حكمه لحكمهم مخالفٌ . ( 3 ) * * *

--> ( 1 ) انظر تفسير " التولي " فيما سلف 9 : 319 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . ( 2 ) قوله : " وفساد ما خالفه " ، مجرور معطوف على قوله آنفا : " وفي ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما نقول " . ( 3 ) انظر ما سلف 9 : 573 - 587