محمد بن جرير الطبري

386

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أيها الناس ، لكُلِّكم = أي لكل من دخل في الإسلام وأقرّ بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لي نبيٌّ = شرعةً ومنهاجا . ذكر من قال ذلك : 12129 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا " قال : سنة ، = " ومنهاجًا " ، السبيل = " لكلكم " ، من دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا . يقول : القرآن ، هو له شرعة ومنهاج . * * * قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال : معناه : لكل أهل ملة منكم ، أيها الأمم جعلنا شِرعةً ومنهاجًا . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لقوله : ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) ولو كان عنى بقوله : " لكل جعلنا منكم " ، أمة محمد ، وهم أمّة واحدةٌ ، لم يكن لقوله : " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " ، وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة = معنىً مفهوم . ولكن معنى ذلك ، على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة ، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها ، ثم ذكر أنه قفَّي بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله ، وأنزل عليه الإنجيل ، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه . ثم ذكر نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وأخبره أنه أنزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ، وأمره بالعمل بما فيه ، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره = وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم ، وإن كان دينه ودينهم - في توحيد الله ، والإقرار بما جاءهم به من عنده ، والانتهاء إلى أمره ونهيه - واحدًا ، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكم واحد منهم ولأمته فيما أحلّ لهم وحرَّم عليهم . * * *