محمد بن جرير الطبري

358

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب ، قولُ من قال : نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب ، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيُّون بها . وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم ، فكونُها خبرًا عنهم أولى . * * * فإن قال قائل : فإن الله تعالى ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصًّا ؟ قيل : إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ ، على سبيل ما تركوه ، كافرون . وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به ، هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس ، لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه ، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ . * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وكتبنا على هؤلاء اليهود الذين يحكمونك ، يا محمد ، وعندهم التوراة فيها حكم الله . ويعني بقوله : " وكتبنا " ، وفرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النَّفس إذا قتلت نفسًا بغير حق ( 1 ) = " بالنفس " ، يعني : أن تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة ،

--> ( 1 ) انظر تفسير " كتب " فيما سلف ص : 232 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .