محمد بن جرير الطبري
339
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عن أبي هريرة قال : زنى رجل من اليهود وامرأة ، ( 1 ) فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبي ، فإنه نبي بُعِث بتخفيف ، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا : " فُتْيَا نبي من أنبيائك " ! ! قال : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا ؟ فلم يكلمهم كلمة ، حتى أتى بيت مِدْراسهم ، ( 2 ) فقام على الباب فقال : أنشدُكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ؟ قالوا : يحمّم ويجبَّه ويجلد = " والتجبيه " ، أن يحمل الزانيان على حمار ، تُقَابل أقفيتهما ، ويطاف بهما = وسكت شابٌّ [ منهم ] ، ( 3 ) فلما رآه سكت ، ألظَّ به النِّشْدَةَ ، ( 4 ) فقال : اللهم إذ نشدتَنا ، فإنا نجد في التوراة الرجْمَ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فما أوّل ما ارْتَخَصْتم أمر الله ؟ ( 5 ) قال : زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا ، فأخَّر عنه الرجم . ( 6 ) ثم زنى رجل
--> ( 1 ) في المطبوعة : " بامرأة " ، وأثبت ما كان هنا في المخطوطة ، وهو مطابق لما في تفسير عبد الرزاق . انظر التخريج . ( 2 ) في المطبوعة " بيت المدراس " ، وفي المخطوطة : " بيت مدراس " ، وفوق " مدراس " حرف " ط " ، دلالة على الخطأ ، وما أثبته هو الصواب ، من تفسير عبد الرزاق . وقد مضى تفسير " بيت المدراس " فيما سلف ص : 303 ، تعليق : 1 . ( 3 ) ما بين القوسين زيادة من تفسير عبد الرزاق . ( 4 ) " ألظ به " ، ألح عليه ، وقد مضى تفسيرها في ص : 304 : تعليق : 2 . و " النشدة " : الاستحلاف بالله . يقال : " نشدتك الله نشدة ونشدة " ( بفتح النون وكسرها ) و " نشدانًا " ( بكسر النون ) : استحلفتك بالله . وفيما نقله أخي السيد أحمد من تفسير عبد الرزاق ( المخطوط ) : " النشيد " ؛ وقال أخي : " في أبي داود : النشدة " ، وفي رواية أبي جعفر عن عبد الرزاق ، اختلاف آخر عنه . و " النشيد " : رفع الصوت ، هكذا قالوا . وعندي أنه مصدر " نشدتك الله " ، يزاد على مصادره . ( 5 ) في المطبوعة : " ما ارتخص أمر الله " ، وفي المخطوطة : ما يحصص " [ محذوفة النقط ] ، وهو خطأ لاشك فيه ، وأثبت ما في تفسير عبد الرزاق . ( 6 ) قوله : " فأخر عنه الرجم " ؛ أي : أسقط عنه الحد ، كأنه أبعده عنه وصرفه أن يلحقه . وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر : " أخر عني يا عمر " ، قالوا في معناه : " معناه : أخر عني رأيك أو نفسك ، فاختصر إيجازا وبلاغة " . فقصروا في شرحه ، وإنما أراد معنى صرفه وإبعاده . وهو في هذا الخبر بالمعنى الذي فسرته . وهو مما يزاد على كتب اللغة ، أو على بيانها على الأصح . ( 7 ) في المطبوعة : " في أسرة من الناس " ، وهي بمثل ذلك في مخطوطة تفسير عبد الرزاق ، ثم هي كذلك في سنن أبي داود وغيره . وفسروها فقالوا " الأسرة : عشيرة الرجل وأهل بيته ، لأنه يتقوى بهم " . بيد أني أثبت ما هو واضح في المخطوطة : " في أسوة " بالواو ، والواو هناك واضحة جدا ، كبيرة الرأس ، وما أظن الناسخ وضعها كذلك من عند نفسه ، بل أرجح أنه وجد " الواو " ظاهرة في نسخة التفسير العتيقة التي نقل عنها ، فأثبتها واضحة لذلك . فلو صح ما في المخطوطة ، فهو عندي أرجح من رواية " في أسرة " . وبيانها أنهم يقولون : " القوم أسوة في هذا الأمر " ، أي : حالهم فيه واحدة . فأراد بقوله : " في أسوة من الناس " ، أي : حاله حال سائر الناس ، ليس من أشرافهم ، أو من أهل بيت المملكة منهم ، فهو يعامل كما يعامل سائر العامة . وقد جاء في أخبار رجم اليهوديين : " كنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد " ( انظر ما سلف رقم : 11922 ) . فهو يعني بقوله : " في أسوة من الناس " ، أنه من ضعفائهم وعامتهم . وهذا أرجح عندي من " في أسرة من الناس " ، فإنه يوشك أن يكون " في أسرة من الناس " ، مما يوحي بأن له عشيرة يحمونه ويدفعون عنه ويتقوى بهم ، وهو خلاف ما يدل عليه سياق هذا الخبر . ولولا أني لا أجد في يدي البرهان القاطع ، لقلت إن الذي في المخطوطة هو الصواب . وذلك أني أذكر أني قرأت مثل هذا التعبير في غير هذا الموضع ، وجهدت أن أجده ، فلم أظفر بطائل . فإذا وجدته في مكان آخر أثبته إن شاء الله ، وكان حجة في المعنى الذي فسرته ، وفوق كل ذي علم عليم .