محمد بن جرير الطبري

333

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، قول من قال : إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ ، وأن للحكَّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا ، وتركِ الحكم بينهم والنظر ، مثلُ الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك في هذه الآية . وإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب ، لأن القائلين إن حكم هذه الآية منسوخ ، زَعموا أنه نسخ بقوله : ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ ) [ سورة المائدة : 49 ] وقد دللنا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأحكام " : أن النسخ لا يكون نسخًا ، إلا ما كان نفيًا لحكمٍ غَيْرِه بكلِّ معانيه ، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا على صِحّته بوجه من الوجوه = بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ( 1 ) وإذْ كان ذلك كذلك = وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " ، ومعناه : وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إذا حكمت بينهم ، باختيارك الحكم بينهم ، إذا اخترت ذلك ، ولم تختر الإعراض عنهم ، إذ كان قد تقدَّم إعلام المقول له ذلك من قائِله : إنّ له الخيار في الحكم وترك الحكم = ( 2 ) كان معلومًا بذلك أن لا دلالة في قوله : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " ، أنه ناسخٌ قوله : " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط " ، لما وصفنا من احتمال ذلك ما بَيَّنَّا ، بل هو

--> ( 1 ) انظر قوله في " النسخ " فيما سلف 8 : 12 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك . ( 2 ) السياق : و " إذ كان ذلك كذلك ، وكان غير مستحيل . . . كان معلوما " .