محمد بن جرير الطبري

313

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله عزّ وجلّ : { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يحرف هؤلاء السمَّاعون للكذب ، السماعون لقوم آخرين منهم لم يأتوك بعدُ من اليهود = " الكلم " ( 1 ) . وكان تحريفُهم ذلك ، تغييرَهم حكم الله تعالى ذكره = الذي أنزله في التوراة في المحصَنات والمحصَنين من الزناة بالرجم = إلى الجلد والتحميم . فقال تعالى ذكره : " يحرّفون الكلم " ، يعني : هؤلاء اليهود ، والمعنيُّ حكم الكَلِم ، فاكتفى بذكر الخبر من " تحريف الكلم " عن ذكر " الحكم " ، لمعرفة السامعين لمعناه . وكذلك قوله : " من بعد مواضعه " ، والمعنى : من بعد وضْع الله ذلك مواضعه ، فاكتفى بالخبر من ذكر " مواضعه " ، عن ذكر " وضع ذلك " ، كما قال تعالى ذكره : ( وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) [ سورة البقرة : 177 ] ، والمعنى : ولكن البِرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر . ( 2 ) * * * وقد يحتمل أن يكون معناه : يحرفون الكلم عن مواضعه = فتكون " بعد " وضعت موضع " عن " ، كما يقال : " جئتك عن فراغي من الشغل " ، يريد : بعد فراغي من الشُّغل . * * * ويعني بقوله : " إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا " ، يقول هؤلاء الباغُون السمَّاعون للكذب : إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم في صاحبنا = " فخذوه " ، يقول : فاقبلوه منه ، وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم ، فاحذروا . * * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل .

--> ( 1 ) انظر تفسير " تحريف الكلم عن مواضعه " فيما سلف 2 : 248 / 8 : 430 - 432 / 10 : 129 ( 2 ) انظر ما سلف 3 : 336 - 339 .