محمد بن جرير الطبري
288
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
التي كانت لزمته في أيام حربه وحِرَابته ، ( 1 ) من حدود الله ، وغُرْم لازم ، وقَوَدٍ وقصاص ، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه ، فيردّ على أهله = لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله ، الساعيةِ في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام . فكذلك حكم كل ممتنع سَعَى في الأرض فسادًا ، جماعةً كانوا أو واحدًا . فأمَّا المستخفي بسرقته ، والمتلصِّصُ على وجه اغتفال من سرقه ، ( 2 ) والشاهرُ السلاحَ في خلاء على بعض السابلة ، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع ، فإن حكم الله عليه = تاب أو لم يتب = ماضٍ ، وبحقوق من أخذ ماله ، أو أصاب وليَّه بدم أو خَتْلٍ مأخوذ ، وتوبته فيما بينه وبين الله جل وعز = قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْمٌ ، ثم صار لهم حربًا ، أن حربه إياهم لن يضعَ عنه حقًا لله عز ذكره ، ولا لآدمي ، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء ، وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده ، ولا له فئة يلجأ إليها مانعةٌ منه . وفي قوله : " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " ، دليل واضح لمن وُفِّق لفهمه ، أنّ الحكم الذي ذكره الله جل وعزّ في المحاربين ، يجري في المسلمين والمعاهدين ، دون المشركين الذين قد نصبُوا للمسلمين حربًا ، وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهل الحرب من المشركين ، دون المسلمين ودون ذمتهم ، لوجب أن
--> ( 1 ) انظر " الحرابة " فيما سلف ص : 285 ، تعليق : 2 . ( 2 ) " اغتفل الرجل " ، يعني : اهتبل غفلته فأخذ ما أخذ . وهذا حرف لم تقيده كتب اللغة ، بل قيدوا : " تغفله " ( بتشديد الفاء ) ، و " استغفلته " ، أي : تحينت غفلته . وهذا الذي استعمله أبو جعفر صحيح في القياس والعربية ، وقد رأيت أبا الفرج الأصفهاني ، صاحب الأغاني ، يستعمله أيضا ، فجاء في الأغاني 2 : 99 ، في أخبار عدي بن زيد الشاعر ، فذكر جده " زيد بن أيوب " ومقتله ، فكان مما قال : " ثم إن الأعرابي اغتفل زيد بن أيوب ، فرماه بسهم فوضعه بين كتفيه ، ففلق قلبه " . وكان في المطبوعة هنا : " على وجه إغفال من سرقة " ، وليس هذا صحيحًا في قياس العربية ، حتى يغير ما كان في المخطوطة . وهو في المخطوطة غير منقوط ، وهذا صواب قراءته .