محمد بن جرير الطبري
569
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقد بينا أولى القولين في ذلك بالصواب قبلُ ، فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره . ( 1 ) * * * فإن قال قائل : وما وجه دخول " من " ، في قوله : " فكلوا مما أمسكن عليكم " ، وقد أحل الله لنا صيد جوارحنا الحلالِ ، و " من " إنما تدخل في الكلام مبعِّضَة لما دخلت فيه ؟ قيل : قد اختلف في معنى دخولها في هذا الموضع أهل العربية . فقال بعض نحويي البصرة : دخلت " من " في هذا الموضع لغير معنًى ، كما تدخله العرب في قولهم : " كان من مطر " و " كان من حديث " . قال : ومن ذلك قوله : ( وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ) [ سورة البقرة : 271 ] ، وقوله : ( وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ ) [ سورة النور : 43 ] ، قال : وهو فيما فسِّر : وينزل من السماء جبالا فيها برد . قال : وقال بعضهم : و " ينزل من السماء من جبال فيها من برد " ، أي : من السماء من برد ، بجعل " الجبال من برد " في السماء ، وبجعل الإنزال منها . ( 2 ) * * * وكان غيره من أهل العربية ينكر ذلك ويقول : لم تدخل " من " إلا لمعنى مفهوم ، لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به . وذلك أنها دالة على التبعيض . وكان يقول : معنى قولهم " قد كان من مطر " و " كان من حديث " ؛ هل كان من مَطَرِ مَطَرَ عندكم ؟ وهل من حديث حُدِّث عندكم ؟ ( 3 ) ويقول : معنى : ( وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ) ، أي : ويكفر عنكم من سيِّئاتكم ما يشاء ويريد = وفي قوله : ( وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ ) ، فيجيز
--> ( 1 ) انظر ما سلف ص : 564 . ( 2 ) انظر ما سلف 2 : 126 ، 127 / 5 : 586 / 6 : 551 / 7 : 489 . ( 3 ) في المطبوعة والمخطوطة : " حديث حديث عندكم " ؛ والصواب ما أثبت . ويعني قائل ذلك أن قوله " قد كان من مطر " إلخ ، إنما هو جواب لقول القائل : هل كان من مطر مطر عندكم ؟