محمد بن جرير الطبري

543

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك ، يا محمد ، أصحابك : ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل ؟ فقل لهم : أحِل لكم منها = " الطيبات " ، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح ( 1 ) وأحل لكم أيضًا مع ذلك ، صيدُ ما علّمتم من " الجوارح " ، وهن الكَواسب من سباع البهائم . * * * والطير سميت " جوارح " ، لجرحها لأربابها ، وكسبها إيّاهم أقواتَهم من الصيد . يقال منه : " جرح فلان لأهله خيرًا " ، إذا أكسبهم خيرًا ، و " فلان جارِحَة أهله " ، يعني بذلك : كاسبهم ، و " لا جارحة لفلانة " ، إذا لم يكن لها كاسب ( 2 ) ومنه قول أعشى بني ثعلبة . ذاتَ حَدٍّ مُنْضِجٍ مِيسَمُهَا . . . تُذْكِرَ الجَارِحَ مَا كَانَ اجْتَرَحْ ( 3 )

--> ( 1 ) انظر تفسير " الطيبات " فيما سلف 3 : 301 / 5 : 555 / 6 : 361 / 8 : 409 / 9 : 391 . ( 2 ) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 154 . ( 3 ) ديوانه : 164 ، وهي من قصيدة له طويلة ، مجد فيها إياس بن قبيصة الطائي ، ملك الحيرة . ثم ختم القصيدة بذكر الخمر ، وذكر شبابه وما كان فيه من لهو ومروءة وبأس ، فقال يصف لاذع قوله فيمن يعاديه ( برواية الديوان ) : وَلَقَدْ أَمْنَحُ مَنْ عَادَيْتُهُ . . . كَلِمًا يَحْسِمْنَ مِنْ داءِ الكَشَحْ وقطَعْتُ نَاظِرَيْهِ ظاهِرًا . . . لا يكونُ مِثْلَ لَطْمٍ وكَمَحْ ذَا حَبَارٍ مُنْضِجٍ مِيسَمُهُ . . . يُذْكِرُ الجَارِمَ مَا كَانَ اجتَرَحْ قوله : " كلما " جمع " كلمة " ، يعني به : هجاءه وشعره . وفي الديوان : " كلما " مضبوطة بضم الكاف وتشديد اللام المفتوحة ، ونقل عن الديوان " كل ما " ، وهو خطأ فيما أرجح . و " حسم الداء يحسمه " : قطعه بالدواء . و " حسم العرق " : قطعه ، ثم كواه لئلا يسيل دمه . و " الكشح " ( بفتح الكاف والشين ) : داء يصيب الإنسان في كشحه فيكوى . " الكشح " ( بفتح فسكون ) : ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف ، وهما كشحان في الإنسان . و " طوى فلان كشحه " : أي أعرض وولاك كشحه ، من البغض والعداوة . وأراد بقوله : " داء الكشح " ، العداوة والبغضاء . يقول : أهجوه هجاء يشفيه من داء البغض ! وقوله : " وقطعت ناظريه " أي : كويته كية ظاهرة في وسط جبينه ، بين عينيه إلى أنفه : وقوله : " ظاهرًا " صفة لمحذوف ، أي كيا ظاهر الأثر . ليس أثره كأثر اللطم أو الكمح . و " الكمح " ( بفتحتين ) : هو أثر كمح الفرس باللجام ، أي رده وجذبه باللجام ليقف ، فيترك ذلك أثرًا حيث موقع اللجام . وهو حرف لم تذكره كتب اللغة ، وشرحته من سياق معنى الشعر . يقول : أثر اللطم غير بين فهو يزول ، وأثر كمح اللجام سهل يأتي متتابعًا فلا يؤذي ، أما هذا الظاهر فهو مكواة من النار ( كما يبينه البيت الثالث ) . وأنا في شك من رواية هذا البيت . وقوله : " ذا حبار " ، أي ذا أثر ، صفة ثانية لقوله : " ظاهرًا " ، و " الحبار " ( بفتح الحاء ) الأثر في الجلد من ضرب أو كي أو غيرها . ومثله " الحبر " ( بكسر فسكون ) . وفي الديوان " ذا جبار " ( بضم الجيم ) ، وهو لا معنى له ، صواب إنشاده ما أثبت . و " الميسم " : الحديدة التي يكوى بها . يشبه هجاه بالمكواة الحامية تنضج الجلد ، وتبقي فيه أثرًا لا يزول ، ولا تزال تذكره بما اجترم . وأما رواية أبي جعفر ، فهي في المخطوطة : " ذات حد " ( بالحاء المفتوحة ) ، فإن صحت كذلك فهي صفة لقوله : " كلما يحسمن " ، و " الحد " : صلابة الشيء وشدته ونفاذه ، كما يقال " حد الظهيرة " ، أي : أشد حرها . وإن صحت روايته كما كان في المطبوعة : " ذات خد " ، ( بالخاء المعجمة ) : من " الخد " و " الأخدود " ، وهو الشق ، و " خدت الضربة جلده " إذا شقته وتركت فيه خدًا . و " أخاديد السياط " ، آثارها في الجلد . وكلتاهما جيدة المعنى . * * * تنبيه : ديوان الأعشى المطبوع في أوربة ، ديوان كثير الخطأ والتحريف والتصحيف ، فمن أجل ذلك اجتهدت في تصحيح هذا الشعر ، وفي كثير غيره مما سلف من شعر الأعشى .