محمد بن جرير الطبري

488

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

من " أن " ، بمعنى : لا يجرمنكم بغض قوم بصدِّهم إياكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا . * * * وكان بعض قراءة الحجاز والبصرة يقرأ ذلك : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم ) ، بكسر " الألف " من " إن " ، بمعنى : ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدًّا عن المسجد الحرام أن تعتدوا = فزعموا أنها في قراءة ابن مسعود : ( إن يصدوكم ) ، فقرأوا ذلك كذلك اعتبارًا بقراءته . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي ، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، صحيح معنى كل واحدة منهما . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صُدَّ عن البيت هو وأصحابه يوم الحديبية ، وأنزلت عليه " سورة المائدة " بعد ذلك ، فمن قرأ ( أَنْ صَدُّوكُمْ ) بفتح " الألف " من " أن " ، فمعناه : لا يحملنكم بغض قوم ، أيها الناس ، من أجل أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام ، أن تعتدوا عليهم . ومن قرأ : ( إن صدوكم ) بكسر " الألف " ، فمعناه : لا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام إذا أردتم دخوله . لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتح مكة ، قد حاولوا صَدَّهم عن المسجد الحرام . فتقدم الله إلى المؤمنين = في قول من قرأ ذلك بكسر " إن " = بالنهي عن الاعتداء عليهم ، إن هم صدوهم عن المسجد الحرام ، قبل أن يكون ذلك من الصادِّين . غير أن الأمر ، وإن كان كما وصفت ، فإن قراءة ذلك بفتح " الألف " ، أبينُ معنى . لأن هذه السورة لا تَدَافُعَ بين أهل العلم في أنها نزلت بعد يوم الحديبية .

--> ( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 300 .