محمد بن جرير الطبري
420
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فَلَمَّا بَدَتْ كَفَّنْتُها ، وَهْيَ طِفْلَةٌ . . . بِطَلْسَاءَ لَمْ تَكْمُلْ ذِرَاعًا وَلا شِبْرَا ( 1 )
--> ( 1 ) ديوانه : 176 ، واللسان ( روح ) ، والمزهر 1 : 556 ، وغيرها . هذا ، وليس في المخطوطة غير الأبيات الثلاثة الأولى ، وزادت المطبوعة ، بيتًا رابعًا ، لكن قبله في شعر ذي الرمة بيت ، فزدته من ديوانه ، ووضعته بين قوسين ، لأنه من تمام معنى الأبيات . وقبل هذه الأبيات ، أبيات في صفة استخراج سقط النار من الزند بالقدح ، فلما اقتدحها كفنها كما ذكر في سائر الشعر . فقوله : " فلما بدت " ، أي بدا سقط النار من الزند الأعلى عند القدح ، " كفنها " ضمنها خرقة وسخة ، لم تبلغ ذراعًا ولا شبرًا ، وهي التي سماها " طلساء " ، لسوادها من وسخها . وكانت " طفلة " لأنها سقطت من أمها لوقتها فتلقاها في الخرقة التي جعلها لها كفنًا . وإنما جعلها " كفنًا " : لها ، لأن السقط يسقط من الزند يزهر ويضيء حيًا ، فإذا وقع في قلب القطنة ، لم تر له ضوءًا ، فكأنه السقط قد مات . ولكنه عاد يتابع السقط حتى يحييه مرة أخرى فقال لصاحبه : " ارفعها إليك " ، أي خذها بيدك ، وارفعها إلى فمك ، ثم " أحيها بروحك " ، أي انفخ لها نفخًا يسيرًا ، " واقتته لها قيتة قدرًا " ، يأمره بالرفق والنفح القليل شيئًا فشيئًا ، كأنه جعل النفخ قوتًا لهذا الوليد ، يقدر له تقديرًا ، شيئًا بعد شيء حتى يكتمل . ثم لما فرغ من ذلك ، ونمت النار بعض النمو ، قال له : " ظاهر لها من يابس الشخت " ، أي اجعل دقيق الحطب اليابس بعضه على بعض ، وأطعم هذا الوليد = و " الشخت " : الدقيق من كل شيء ، = وذلك لتكون النار فيه أسرع . ثم يقول له : استقبل بها ريح الصبا ليكون ذلك لها نماء ، " واجعل يديك لها سترًا " ، أي : ليسترها من النواحي الأخرى حتى تضربها الصبا ، فلا تموت مرة أخرى . ثم عاد فوصف نموها يقول : " ولما تنمت " وارتفعت ، " تأكل الرم " ، تأكل ما يبس من أعواد الشجر ، لم تدع بعد ذلك يابسًا ولا أخضر مما ظلوا يجمعونه لها ، وذلك حين استوت وبلغت أشدها . فلما رأوا النار تجري بعد ذلك في " الجزل " - وهو ما غلظ من الحطب ويبس - كأن ضوءها سنا البرق ، رفعوا أيديهم شكرًا للذي خلقهم وخلق النار . وهذا شعر جيد مستقيم على النهج . ومما يقيد هنا ، ما رواه السيوطي في المزهر ، عن أبي عبيد في الغريب المصنف أن الأصمعي قال : أخبرني عيسى بن عمر ، قال : أنشدني ذو الرمة : وَظَاهِرْ لَهَا من يَابِس الشَّخْتِ ثم أنشد بعد هذا : مِنْ بَائِسِ الشَّخْتِ قال أبو عبيد : فقلت له : إنك أنشدتني " من يابس الشخت " ؟ فقال : اليبس من البؤس . قال السيوطي : وذلك إسناد متصل صحيح ، فإن أبا عبيد سمعه من الأصمعي . وكان في المطبوعة : " جرت للجزل " و " لخالقها " ، وأثبت رواية الديوان .