محمد بن جرير الطبري

413

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ، ومعصيته في ذلك ، على علم منه بذلك منكم ، أمركم ونهاكم ( 1 ) = " حكيمًا " يعني : حكيمًا في أمره إياكم بما أمركم به ، وفي نهيه إياكم عما نهاكم عنه ، وفي غير ذلك من تدبيره فيكم وفي غيركم من خلقه . ( 2 ) * * * واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله نصب قوله : " خيرًا لكم " . فقال بعض نحويي الكوفة : نصب " خيرًا " على الخروج مما قبله من الكلام ، ( 3 ) لأن ما قبله من الكلام قد تمَّ ، وذلك قوله : " فآمنوا " . وقال : قد سمعت العرب تفعل ذلك في كل خبر كان تامًّا ، ثم اتصل به كلام بعد تمامه ، على نحو اتصال " خير " بما قبله . فتقول : " لتقومن خيرًا لك " و " لو فعلت ذلك خيرًا لك " ، و " اتق الله خيرًا لك " . قال : وأما إذا كان الكلام ناقصًا ، فلا يكون إلا بالرفع ، كقولك : " إن تتق الله خير لك " ، و ( وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) [ سورة النساء : 25 ] . * * * وقال آخر منهم : جاء النصب في " خير " ، لأن أصل الكلام : فآمنوا هو خيرٌ لكم ، فلما سقط " هو " ، الذي [ هو كناية ] ومصدرٌ ، ( 4 ) اتّصل الكلام بما قبله ، والذي قبله معرفة ، و " خير " نكرة ، فانتصب لاتصاله بالمعرفة لأن الإضمار من الفعل " قم فالقيام خير لك " ، ( 5 ) و " لا تقم فترك القيام خير لك " . فلما سقط اتصل

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وعلى علم . . . " بزيادة الواو ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 2 ) انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة . ( 3 ) انظر " الخروج " فيما سلف من فهارس المصطلحات . ( 4 ) في المطبوعة : " الذي هو مصدر " ، وفي المخطوطة " الذي مصدر " ، ورجحت أن الصواب ما أثبت ، لأن تأويل الكلام ، على مذهبه هذا : فالإيمان خير لكم ، فالضمير " هو " كناية عن " الإيمان " ، وهو مصدر . ( 5 ) أخشى أن يكون سقط قبل قوله : " لأن الإضمار من الفعل : " قم فالقيام خير لك . . . " إلى آخر الكلام ، ما يصلح أن يكون هذا تابعًا له ، كأنه ضرب مثلين هما : " قم خير لك " و " لا تقم خير لك " . ومع ذلك فقد تركت الكلام على حاله ، ووضعت بينه نقطًا للدلالة على ذلك . . . .