محمد بن جرير الطبري
387
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة . فلو كان كل كتابيّ يؤمن بعيسى قبل موته ، لوجب أن لا يرث الكتابيّ إذا مات على مِلّته إلا أولاده الصغار ، أو البالغون منهم من أهل الإسلام ، إن كان له ولد صغير أو بالغ مسلم . وإن لم يكن له ولد صغير ولا بالغٌ مسلم ، كان ميراثه مصروفًا حيث يصرف مال المسلم يموت ولا وارث له ، وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه وغَسْله وتقبيره . ( 1 ) لأن من مات مؤمنًا بعيسى ، فقد مات مؤمنًا بمحمد وبجميع الرسل . وذلك أن عيسى صلوات الله عليه ، جاء بتصديق محمد وجميع المرسلين صلوات الله عليهم ، فالمصدّق بعيسى والمؤمن به ، مصدق بمحمد وبجميع أنبياء الله ورسله . كما أن المؤمن بمحمد ، مؤمن بعيسى وبجميع أنبياء الله ورسله . فغير جائز أن يكون مؤمنًا بعيسى من كان بمحمد مكذِّبًا . * * * فإن ظن ظانٌّ أنّ معنى إيمان اليهودي بعيسى الذي ذكره الله في قوله : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " ، إنما هو إقراره بأنه لله نبيٌّ مبعوث ، دون تصديقه بجميع ما أتى به من عند الله = فقد ظن خطأ . وذلك أنه غير جائز أن يكون منسوبًا إلى الإقرار بنبوّة نبي ، من كان له مكذبًا في بعض ما جاء به من وحْي الله وتنزيله . بل غير جائز أن يكون منسوبًا إلا الإقرار بنبوة أحد من أنبياء الله ، لأن الأنبياء جاءت الأمم بتصديق جميع أنبياء الله ورسله . فالمكذب بعض أنبياء الله فيما أتى به أمّته من عند الله ، مكذِّب جميع أنبياء الله فيما دعوا إليه من دين الله عبادَ الله . وإذْ كان ذلك كذلك = وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن كلَّ كتابي مات قبل إقراره بمحمد صلوات الله
--> ( 1 ) قوله : " وتقبيره " أي دفنه حيث يدفن ، وكأنه من ألفاظ الفقهاء على عهد أبي جعفر ، والذي في اللغة " قبره يقبره " دفنه ، و " أقبره " جعل له قبرًا . أما " قبر يقبر تقبيرًا " بهذا المعنى ، فلم أجدها في معاجم اللغة .