محمد بن جرير الطبري
224
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ( 119 ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ( 120 ) } قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه ، عن حال نصيب الشيطان المفروضِ الذين شاقوا الله ورسوله من بعد ما تبين لهم الهدى . ( 1 ) يقول الله : ومن يتبع الشيطان فيطيعه في معصية الله وخلاف أمره ، ويواليه فيتخذه وليًّا لنفسه ونصيرًا من دون الله ( 2 ) = " فقد خسر خسرانًا مبينًا " ، يقول : فقد هلك هلاكًا ، وبخس نفسه حظَّها فأوبقها بخسًا " مبينًا " = يبين عن عَطَبه وهلاكه ، ( 3 ) لأن الشيطان لا يملك له نصرًا من الله إذا عاقبه على معصيته إياه في خلافه أمرَه ، بل يخذُله عند حاجته إليه . وإنما حاله معه ما دام حيًّا ممهَلا بالعقوبة ، كما وصفه الله جل ثناؤه بقوله : " يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا " ، يعني بذلك جل ثناؤه : يعد الشيطان المَرِيد أولياءه الذين هم نصيبُه المفروض : أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء ، وظهيرًا لهم عليه ، يمنعهم منه ويدافع عنهم ، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفَلَج عليهم . ( 4 ) = ثم قال : " وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا " يقول : وما يعد الشيطان أولياءَه الذين اتخذوه وليًّا من دون الله = " إلا غرورًا " يعني : إلا باطلا . ( 5 ) وإنما جعل عِدَته إياهم جل ثناؤه ما وعدهم " غرورًا " ، لأنهم كانوا يحسبون
--> ( 1 ) في المطبوعة : " من الذين شاقوا . . . " بزيادة " من " ، والصواب حذفها كما في المخطوطة . ( 2 ) في المخطوطة والمطبوعة : " ونصيرًا دون الله " بإسقاط " من " ، وهو سهو من الناسخ في عجلته ، فزدتها لدلالة الآية على مكانها . ( 3 ) انظر تفسير " خسر " فيما سلف 1 : 417 / 2 : 166 ، 572 / 6 : 570 / 7 : 276 = وتفسير " مبين " فيما سلف ص : 199 تعليق : 2 ، والمراجع هناك . ( 4 ) " الفلج " ( بفتحتين ) : الظفر والفوز والعلو على الخصم . ( 5 ) انظر تفسير " الغرور " فيما سلف 7 : 453 .