محمد بن جرير الطبري

203

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وأما النصب ، فعلى أن تجعل " النجوى " فعلا ( 1 ) فيكون نصبًا ، لأنه حينئذ يكون استثناء منقطعًا ، لأن " مَنْ " خلاف " النجوى " ، ( 2 ) فيكون ذلك نظير قول الشاعر . ( 3 ) . . . . . . وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ . . . إِلا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُها . . . . . . ( 4 ) وقد يحتمل " مَنْ " على هذا التأويل أن يكون رفعًا ، كما قال الشاعر : ( 5 ) وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنِيسُ . . . إلا اليَعَافِيرُ وَإلا العِيسُ ( 6 ) * * *

--> ( 1 ) قوله : " فعلا " أي مصدرًا . ( 2 ) في المطبوعة : " لأنه من خلاف النجوى " ، والصواب المحض من المخطوطة . ( 3 ) هو النابغة الذبياني . ( 4 ) مضى الشعر وتخريجه وتمامه فيما سلف 1 : 183 ، 523 ، وهو في معاني القرآن للفراء 1 : 288 . ( 5 ) هو جران العود النميري . ( 6 ) ديوانه : 52 ، سيبويه 1 : 133 ، 365 ، معاني القرآن للفراء 1 : 288 ، ومجالس ثعلب : 316 ، 452 ، الخزانة 4 : 197 ، والعيني ( هامش الخزانة ) 3 : 107 ، وسيأتي في التفسير : 12 : 28 / 27 : 39 ( بولاق ) ، ثم في مئات من كتب النحو والعربية . ورواية هذا الشعر في ديوانه : قَدْ نَدَعُ المَنْزِلَ يا لَمِيسُ . . . يَعْتَسُّ فيه السَّبُعُ الجَرُوسُ الذِّئْبُ ، أو ذُو لِبَدٍ هَمُوسُ . . . بَسَابِسًا ، لَيْسَ بِهِ أَنِيسُ إلا اليَعَافِيرُ وَإلا العِيسُ . . . وَبَقَرٌ مُلَمَّعٌ كُنُوسُ كَأَنَّمَا هُنَّ الجَوَارِي المِيسُ " يعتس " : يطلب ما يأكل ، " الجروس " هنا الشديد الأكل ، وأخطأ صاحب الخزانة فقال : " من الجرس ، وهو الصوت الخفي " ، وليس ذلك من صفات الذئب ، وحسبه عواؤه إذا جاع ، نفيًا لوصفه بخفاء الصوت ! ، وقد بين في البيت الثالث أنه يعني " الذئب " . و " ذو لبد " هو الأسد و " اللبدة " ما بين كتفيه من الوبر . " هموس " من صفة الأسد ، يقال تارة : هو الذي يمشي مشيًا يخفيه ، فلا يسمع صوت وطئه . ويقال تارة أخرى : شديد الغمز بضرسه في أكله . وهذا هو المراد هنا ، فإنه أراد ذكر خلاء هذه الديار ، وما فيها من المخاوف . " بسابس " قفار خلاء . وأما رواية : " وبلدة " فإن " البلدة " هنا : هي الأرض القفر التي يأوى إليها الحيوان . و " اليعافير " جمع " يعفور " ، وهو الظبي في لون التراب . و " العيس " جمع " أعيس " وهو الظبي الأبيض فيه أدمة . " كنوس " جمع " كانس " ، وهو الظبي أو البقر إذا دخل كناسه ، وهو بيته في الشجر يستتر فيه . و " الميس " جمع " ميساء " ، وهي التي تتبختر وتختال كالعروس في مشيتها . ثم انظر الخزانة ، ومجالس ثعلب . وانظر ما سلف كله في معاني القرآن للفراء 1 : 287 ، 288 .