محمد بن جرير الطبري
174
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال : ييجعون كما تيجعون . وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يتأول ، ( 1 ) قوله : " وترجون من الله ما لا يرجون " ، وتخافون من الله ما لا يخافون ، من قول الله : ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) [ سورة الجاثية : 14 ] ، بمعنى : لا يخافون أيام الله . وغير معروف صرف " الرجاء " إلى معنى " الخوف " في كلام العرب ، إلا مع جحد سابق له ، كما قال جل ثناؤه : ( مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ) [ سورة نوح : 13 ] ، بمعنى : لا تخافون لله عظمة ، وكما قال الشاعر : ( 2 ) لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذَّائِدَا . . . أَسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أَمْ وَاحِدَا ( 3 ) وكما قال أبو ذؤيب الهُذَليّ : إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا . . . وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ ( 4 )
--> ( 1 ) في المطبوعة : " وقد ذكرنا عن بعضهم " وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه في المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة : " الشاعر الهذلي " ، وهو خطأ نقل نسبة أبي ذؤيب في البيت بعده إلى هذا المكان . ولم أعرف هذا الراجز من يكون ، وإن كنت أخشى أن يكون الرجز لأبي محمد الفقعسي . ( 3 ) معاني القرآن للفراء 1 : 286 ، والأضداد لابن الأنباري : 9 ، واللسان ( رجا ) . ( 4 ) ديوانه : 143 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 286 ، وسيأتي في التفسير 11 : 62 / 25 : 83 / 29 : 60 ( بولاق ) . يروى : " إذا لسعته الدبر " ، وتأتي روايته في التفسير " نوب عواسل " أيضًا . وهذا البيت من قصيدة له ، وصف فيها مشتار العسل من بيوت النحل ، فقال قبل هذا البيت : تَدَلَّى عَلَيْهَا بالحِبَالِ مُوَثَّقًا . . . شَدِيدُ الْوَصَاةِ نابِلٌ وَابْنُ نِابِلِ فَلَوْ كَانَ حَبْلا مِنْ ثَمَانِينَ قَامَةً . . . وَسَبْعِينَ بَاعًا ، نَالَهَا بالأَنامِلِ يقول : تدلى على هذه النحل مشتار موثق بالحبال ، شديد الوصاة والحفظ لما ائتمن عليه ، حاذق وابن حاذق بما مرن عليه وجربه . ثم ذكر أنه لا يخاف لسع النحل ، إذا هو دخل عليها فهاجت عليه لتلسعه . وقوله : " فخالفها " ، أي دخل بيتها ليأخذ عسلها ، وقد خرجت إليه حين سمعت حسه ، فخالفها إلى بيوت عسلها غير هياب للسعها . ويروى " حالفها " بالحاء ، أي : لازمها ، ولم يخش لسعها . و " النوب " جمع " نائب " وهو صفة للنحل ، أي : إنها ترعى ثم تنوب إلى بيتها لتضع عسلها ، تجيء وتذهب . و " العوامل " ، هي التي تعمل العسل . و " العواسل " النحل التي تصنع العسل ، أو ذوات العسل .