محمد بن جرير الطبري
82
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله : " إلا أن تكون تجارةٌ حاضرةٌ " مرفوعة فيه " التجارة الحاضرة " ، لأن " تكون " ، بمعنى التمام ، ولا حاجة بها إلى الخبر ، بمعنى : إلا أن تُوجد أو تقعَ أو تحدث . فألزم نفسه ما لم يكن لها لازمًا ، لأنه إنما ألزم نفسه ذلك ، إذْ لم يكن يجدك ل - " كان " منصوبًا ، ( 1 ) ووجد " التجارة الحاضرة " مرفوعة ، وأغفل جَواز قوله : " تديرونها بينكم " أن يكون خبرًا ل - " كان " ، فيستغني بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم . * * * والذي قال من حكينا قوله من البصريين غيرُ خطأ في العربية ، غيرَ أن الذي قلنا بكلام العرب أشبه ، وفي المعنى أصحّ : وهو أن يكون في قوله : " تديرونها بينكم " وجهان : أحدهما أنه في موضع نصب ، على أنه حل محل خبر " كان " ، و " التجارة الحاضرة " اسمها . والآخر : أنه في موضع رفع على اتباع " التجارة الحاضرة " ، لأن خبرَ النكرة يتبعها . فيكون تأويله : إلا أن تكون تجارةٌ حاضرةٌ دائرةً بينكم . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وأشهدوا على صغير ما تبايعتم وكبيره من حقوقكم ، عاجل ذلك وآجله ، ونقده ونَسَائه ، فإنّ إرخاصي لكم في ترك اكتتاب الكتب بينكم فيما كان من حقوق تجري بينكم لبعضكم من قبل بعض عن تجارة حاضرة دائرة بينكم يدًا بيدٍ ونقدًا ، ليس بإرخاص مني لكم في ترك الإشهاد منكم على مَنْ بعتموه شيئًا أو ابتعتم منه . لأن في ترككم الإشهاد على ذلك خوفَ المضرّة على كل من الفريقين . أما على المشتري ، فأنْ يجحد البائعُ
--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : " إذا لم يكن يجد " ، والسياق يقتضي : " إذ " .