محمد بن جرير الطبري

586

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ونصب قوله " ذهبًا " على الخروج من المقدار الذي قبله والتفسير منهُ ، وهو قوله : " ملءُ الأرض " ، كقول القائل : " عندي قدرُ زِقٍّ سمنًا = وقدْرُ رطل عَسلا " ، ف " العسل " مبينٌ به ما ذكر من المقدار ، وهو نكرة منصوبةٌ على التفسير للمقدار والخروج منه . ( 1 ) * * * وأما نحويو البصرة ، فإنهم زعموا أنه نصب " الذهب " لاشتغال " الملء " ب - " الأرض " ، ومجئ " الذهب " بعدهما ، فصار نصبهُا نظيرَ نصب الحال . وذلك أن الحال يجيء بعد فعل قد شُغل بفاعله ، فينصبُ كما ينصب المفعول الذي يأتي بعد الفعل الذي قد شُغل بفاعله . قالوا : ونظير قوله : " ملء الأرض ذهبًا " في نصب " الذهب " في الكلام : " لي مثلك رجُلا " بمعنى : لي مثلك من الرجال . وزعموا أن نصب " الرجل " ، لاشتغال الإضافة بالاسم ، فنصب كما ينصب المفعول به ، لاشتغال الفعل بالفاعل . * * * وأدخلت الواو في قوله : " ولو افتدى به " ، لمحذوف من الكلام بعدَه ، دلّ عليه دخول " الواو " ، وكالواو في قوله : ( وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) [ سورة الأنعام : 75 ] ، وتأويل الكلام : وليكون من الموقنين أرَيناه ملكوتَ السماوات والأرض . فكذلك ذلك في قوله : " ولو افتدى به " ، ولو لم يكن في الكلام " واو " ، لكان الكلام صحيحًا ، ولم يكن هنالك متروك ، وكان : فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا لو افتدى به . ( 2 ) * * *

--> ( 1 ) " التفسير " : هو التمييز ، ويقال له أيضًا " التبيين " ، والمميز هو : " المفسر والمبين " ، وقد سلف ذلك فيما مضى 2 : 338 ، تعليق : 1 / 3 : 90 ، تعليق 2 / وانظر ما فصله الفراء في معاني القرآن 1 : 225 ، 226 . ( 2 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 226 .