محمد بن جرير الطبري
58
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقد يدخل في قوله : " فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا " ، كل جاهل بصواب ما يُملّ من خطئه ، من صغير وكبير ، وذكر وأنثى . غير أن الذي هو أولى بظاهر الآية أن يكون مرادًا بها : كلُّ جاهل بموضع خطأ ما يملّ وصوابه : من بالغي الرجال الذين لا يُولىَّ عليهم = والنساء . لأنه جل ذكره ابتدأ الآية بقوله : " يا أيها الذين آمنوا إذا تدينتم بدَين إلى أجل مسمى " ، والصبي ومن يُولّى عليه ، لا يجوز مُداينته ، وأنّ الله عز وجل قد استثنى من الذين أمرَهم بإملال كتاب الدَّين مع السفيه ، الضعيفَ ومن لا يستطيع إملاله ، ففي فصْله جل ثناؤه الضعيفَ من السفيه ومن لا يستطيع إملاء الكتاب في الصفة التي وصف بها كل واحد منهم : ( 1 ) ما أنبأ عن أن كل واحد من الأصناف الثلاثة الذين ميَّز بين صفاتهم ، غير الصنفين الآخرين . ( 2 ) وإذا كان ذلك كذلك ، كان معلومًا أنّ الموصوف بالسفه منهم دون الضعف ، هو ذو القوة على الإملال ، غيرَ أنه وُضع عنه فرض الإملال بجهله بموضع صواب ذلك من خطئه = وأن الموصوف بالضعف منهم ، هو العاجز عن إملاله ، وإن كان شديدًا رشيدًا ، إما لعيّ لسانه أو خرس به = وأنّ الموصوف بأنه لا يستطيع أن يملّ ، هو الممنوع من إملاله ، إما بالحبس الذي لا يقدر معه على حضور الكاتب الذي يكتب الكتاب فيملّ عليه ، وإما لغيبته عن موضع الإملال ، فهو غير قادر من أجل غيبته عن إملال الكتاب . فوضع الله جلّ وعز عنهم فرض إملال ذلك ، للعلل التي وصفنا - إذا كانت بهم - وعذرهم بترك الإملال من أجلها ، وأمرَ ، عند سقوط فرض ذلك عليهم ، وليَّ
--> ( 1 ) في المخطوطة : " فعن فصله جل ثناؤه الضعيف من السفيه ، فالصفة ومن لا يستطيع إملاء الكتاب التي وصف الله بها كل واحد منهم . . . " وهو كلام مضطرب ، وقد أصاب ناشر المطبوعة في تصحيحه . ( 2 ) في المخطوطة : " . . . الذين بين الله صفاتهم " ، وهو تصحيح لما كان في المخطوطة وهو : " الذين سن منه صفاتهم " غير منقطة ، ورجحت قراءتها كما أثبتها .