محمد بن جرير الطبري
553
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
كذلك ، وكان معلومًا أن منهم من أنزل عليه الكتابَ ، وأنّ منهم من لم ينزل عليه الكتاب = كان بينًا أن قراءة من قرأ ذلك : " لمِا آتيتكم " ، بكسر " اللام " ، بمعنى : من أجل الذي آتيتكم من كتاب ، لا وجه له مفهومٌ إلا على تأويل بعيد ، وانتزاع عميق . * * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن أخذ ميثاقه بالإيمان بمن جاءه من رُسل الله مصدّقًا لما معه . فقال بعضهم : إنما أخذ الله بذلك ميثاقَ أهل الكتاب دون أنبيائهم . واستشهدوا لصحة قولهم بذلك بقوله : " لتؤمنن به ولتنصرنه " . قالوا : فإنما أمر الذين أرسلت إليهم الرّسل من الأمم بالإيمان برسل الله ونُصْرتها على من خالفها . وأما الرسل ، فإنه لا وجه لأمرها بنصرة أحد ، لأنها المحتاجةُ إلى المعونة على من خالفها من كفَرة بني آدم . فأما هي ، فإنها لا تعين الكفرة على كفرها ولا تنصرها . قالوا : وإذا لم يكن غيرُها وغيرُ الأمم الكافرة ، فمن الذي ينصر النبي ، فيؤخذ ميثاقه بنصرته ؟ ذكر من قال ذلك : 7323 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : " وإذ أخذَ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة " ، قال : هي خطأ من الكاتب ، وهي في قراءة ابن مسعود : " وإذ أخذَ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " . ( 1 )
--> ( 1 ) بمثل هذا الأثر ، يستدل من يستدل من جهله المستشرقين وأشياعهم ، على الخطأ والتحريف في كتاب الله المحفوظ . وهم لم يكونوا أول من قال به ، بل سبقهم إليه أسلافهم من غلاة الرافضة وأشباههم من الملحدة . ولم يقصر علماء أهل الإسلام في بيان ما قالوه ، وفي تعقب آرائهم وبيان فسادها ، ووهن حجتها . ومن أعظم ما قرأت في ذلك ، كتاب " الانتصار لنقل القرآن " ، للقاضي الباقلاني ، وهو كتاب مخطوط لا يزال ، وهي في ملك أخي السيد أحمد صقر ، وهو أمين على نشره . وقد عقد القاضي بابًا ، بل أبوابًا ، في تعلق القائلين بذلك ، بالشواذ من القراءات ، والزيادات المروية عن السلف رواية الآحاد ، وكشف عن فساد تعلقهم بذلك فيما راموه من الطعن في نقل المصحف . وقد أطال في ذلك واستوعب ، وذكرها مفصلة ، وذكر الروايات التي رويت في ذلك . ومما قال في باب منه : " وأما نحن ، وإن كنا نوثق جميع من ذكرنا من السلف وأتباعهم ، فإنا لا نعتقد تصديق جميع ما يروى عنهم ، بل نعتقد أن فيه كذبًا كثيرًا قد قامت الدلالة على أنه موضوع عليهم ، وأن فيه ما يمكن أن يكون حقًا عنهم ، وما يمكن أن يكون باطلا ، ولا يثبت عليهم من طريق العلم البتات ، بأخبار الآحاد . وإذا كان ذلك كذلك ، وكانت هذه القراءات والكلمات المروية عن جماعة منهم ، المخالفة لما في مصحفنا ، مما لا نعلم صحتها وثبوتها ، وكنا مع ذلك نعلم اجتماعهم على تسليم مصحف عثمان ، وقراءتهم وإقراءهم ما فيه ، والعمل به دون غيره = لم يجب أن نحفل بشيء من هذه الروايات عنهم ، لأجل ما ذكرنا " . قلت : والقول الذي ذكره مجاهد ، أنه : " خطأ من الكاتب " ، إنما عنى به أن قراءة ابن مسعود هي القراءة التي كانت في العرضة الأخيرة ، وأن الكاتب كتب القراءة التي كانت قبل العرضة الأخيرة ، وأنه كان عليه أن يكتب ما كان في العرضة الأخيرة ، فأخطأ وكتب القراءة الأولى . ولم يرد بقوله : " خطأ من الكاتب " ، أنه وضع ذلك من عند نفسه . كيف ؟ والقرآن متلقى بالرواية والوراثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا بما هو مكتوب في الصحف ! ! هذا بيان قد تعجلته ، ولتفصيل هذا موضع غير الذي نحن فيه .