محمد بن جرير الطبري

54

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه والله " . وإنما يكون الناسخ ما لم يجز اجتماع حكمه وحكم المنسوخ في حال واحدة ، على السبيل التي قد بيناها . ( 1 ) فأما ما كان أحدهما غير ناف حكم الآخر ، فليس من الناسخ والمنسوخ في شيء . ولو وجب أن يكون قوله : ( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ) ناسخا قوله : " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله " - لوجب أن يكون قوله : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) [ سورة المائدة : 6 ] ناسخا الوضوء بالماء = في الحضر عند وجود الماء فيه وفي السفر = الذي فرضه الله عز وجل بقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ) [ سورة المائدة : 6 ] وأن يكون قوله في كفارة الظهار : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) [ سورة المجادلة : 4 ] ناسخا قوله : ( فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) ( 2 ) [ سورة المجادلة : 3 ] . * * * فيُسْأل القائل إنّ قول الله عز وجل : " فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته " ناسخٌ قوله : " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " : ما الفرقُ بَينه وبين قائلٍ في التيمم وما ذكرنا قوله = ( 3 ) فزعم أنّ كل ما أبيح في حال

--> ( 1 ) يعني ما سلف له بيانه في 3 : 385 ، 563 / 4 : 582 ، وما سيأتي في هذا الجزء : 118 ، تعليق : 1 . ( 2 ) ساق رأي الطبري مختصرًا ، أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ : 83 ، 84 ، والقرطبي في تفسيره 3 : 403 ، 404 . ( 3 ) في المطبوعة : " ما الفرق بينه وبين القائل في التيمم ما ذكرنا قوله " ، أدخل التعريف على " قائل " ، وحذف الواو من " وما ذكرنا " فصار الكلام محفوفًا بالفساد والخلط من كل مكان ، وتخلع السياق تخلعًا فظيعًا . وقول الطبري " وما ذكرنا " يعني ما ذكره في آية الظهار السالفة . ويعني بقوله : " وما ذكرنا قوله " ، أي أنه منسوخ بتمام الآية .