محمد بن جرير الطبري

537

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فلانٌ يدَ فلان " ، إذا فَتلها وقَلبها ، ومنه قول الشاعر : ( 1 ) لَوَى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هُوَ غَالِبُهْ ( 2 ) يقال منه : " لوى يدَه ولسانه يلوي ليًّا " = " وما لوى ظهر فلان أحد " ، إذا لم يصرعه أحدٌ ، ولم يَفتل ظهره إنسان = " وإنه لألوَى بعيدُ المستمر " ، إذا كان شديد الخصومة ، صابرًا عليها ، لا يُغلب فيها ، قال الشاعر : ( 3 ) فَلَوْ كَانَ فِي لَيْلَى شَدًا مِنْ خُصُومَةٍ . . . لَلَوَّيْتُ أَعْنَاقَ الخُصُومِ المَلاوِيَا ( 4 ) * * *

--> ( 1 ) هو فرعان بن الأعرف السعدي التميمي ، ويقال : فرعان بن أصبح بن الأعرف . ( 2 ) كتاب العققة لأبي عبيدة ( نوادر المخطوطات : 7 ) ص : 360 ، الحماسة 3 : 10 ، معجم الشعراء : 317 ، العيني بهامش الخزانة 2 : 398 ، واللسان ( لوى ) وسيأتي بتمامه في التفسير 15 : 160 ( بولاق ) ، وغيرها ، أبيات يقولها فرعان بن الأعرف في ابنه منازل ، وكان عق أباه وضربه ، لأنه تزوج على أمه امرأة شابة ، فغضب لأمه ، ثم استاق مال أبيه واعتزل مع أمه ، فقال فيه : جَزَتْ رَحِمٌ بَيْني وَبَيْنَ مُنَازِلٍ . . . جَزَاءً ، كَمَا يَسْتَنْزِلُ الدَّيْنَ طالِبُهْ وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أنْ يَكُونَ منازلٌ . . . عَدُوّي ، وَأَدْنَى شَانِئٍ أَنَا رَاهِبُهْ حَمَلْتُ عَلَى ظَهْرِي ، وفَدَّيْتُ صَاحِبي . . . صَغِيرًا ، إلَى أَنْ أَمْكَنَ الطَّرَّ شَارِبُهْ وَأَطْعَمْتُه ، حَتَّى إِذَا صَارَ شَيْظَمًا . . . يَكادُ يُسَاوِي غَارِبَ الفَحْلِ غَارِبُهْ تَخَوّنَ مالِي ظَالِمًا ، وَلَوَى يَدِي ! . . . لَوَى يَدَه اللهُ الَّذِي هُو غَالِبُهْ من أبيات كثيرة ، فيقال : إن منازلا ، أصبح وقد لوى الله يده . ثم ابتلاه الله بابن آخر عقه كما عق أباه ، واستاق ماله ، فقال فيه : تَظَلَّمَنِي مَالِي خَليجٌ وعَقَّنِي . . . عَلَى حِينَ كَانَتْ كالحَنيِّ عظامي في أبيات . وقد أتم البيت أبو جعفر في التفسير بعد ، وصدره هناك : " تظلمني مالي كذا ، ولوى يدي " . وهي إحدى الروايات فيه . ( 3 ) هو مجنون بني عامر . ( 4 ) ليس في ديوانه ، وهو في الأغاني 2 : 38 ، مع أبيات ، واللسان ( شدا ) ، ( شذا ) ، ( لوى ) ، وغيرها ، وقبله : يَقُولُ أُنَاسٌ : عَلَّ مَجْنُونَ عَامِرٍ . . . يَرُومُ سُلُوًّا ! قُلْتُ : إِنِّي لِمَا بِيَا وَقَدْ لاَمَنِي في حُبِّ لَيْلَى أَقَارِبِي . . . أَخِي ، وَابْنُ عَمِّي ، وَابنُ خَالِي ، وَخَالِيَا يَقُولُونَ : لَيْلَى أَهْلُ بَيْتِ عَدَاوة ! ! . . . بِنَفْسِي لَيْلَى من عَدُوٍّ ومَالِيَا ورواية اللسان وغيره : " أعناق المطى " ، ورواية صاحب الأغاني " أعناق الخصوم " كما رواها أبو جعفر ، ولكن من سوء صنيع ناشري الأغاني أنهم خالفوا أصول الأغاني جميعًا ، لرواية أخرى ، مع صحة الرواية التي طرحوها ، وهي رواية أبي جعفر وأبي الفرج ، وقوله : " شدًا من خصومة " ، ويروى " شذًا من خصومة " . والشذا : حد كل شيء . ومن معانيه أيضًا طرف من الشيء ، أو بقية منه . و " الملاوي " جمع " ملوى " مصدر ميمي من " لوى " . يقول : لو خاصموني في ليلى خصومة حديدة ، لفتلت أعناقهم حتى أذهب بأرواحهم . وأما رواية " المطى " مكان " الخصوم " ، وهي رواية ابن الأعرابي ، فكأنه يقول : لو علمت في ليلى بعض ما يقولون من الخصومة والعداوة لأهلي وعشيرتي ، لأعرضت عنها إعراض من يأنف لعشيرته ويحمى لها غضبًا وحفيظة ، ولفارقتها .