محمد بن جرير الطبري
500
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( 69 ) } قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : " ودّت " ، تمنت = ( 1 ) " طائفة " ، يعني جماعة = " من أهل الكتاب " ، وهم أهل التوراة من اليهود ، وأهل الإنجيل من النصارى = " لو يضلُّونكم " ، يقولون : لو يصدّونكم أيها المؤمنون ، عن الإسلام ، ويردُّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر ، فيهلكونكم بذلك . * * * و " الإضلال " في هذا الموضع ، الإهلاكُ ، ( 2 ) من قول الله عز وجل : ( وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) [ سورة السجدة : 10 ] ، يعني : إذا هلكنا ، ومنه قول الأخطل في هجاء جرير : كُنْتَ القَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ . . . قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلّ ضلالا ( 3 ) يعنى : هلك هلاكًا ، وقول نابغة بني ذبيان : فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ . . . وَغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونَائِلُ ( 4 ) يعني مهلكوه . * * *
--> ( 1 ) انظر تفسير " ود " فيما سلف 2 : 470 / 5 : 542 . ( 2 ) انظر تفسير " ضل " فيما سلف 1 : 195 / 2 : 495 ، 496 . ( 3 ) مضى تخريجه وشرحه في 2 : 496 . ( 4 ) ديوانه : 83 ، واللسان ( ضلل ) ( جلا ) ، من قصيدته الغالية في رثاء أبي حجر النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني ، وقبل البيت : فَإِنْ تَكُ قَدْ وَدَّعْتَ غَيْرَ مُذَمَّمٍ . . . أَوَاسِيَ مُلْكٍ ثبَّتَتْهُ الأَوَائِلُ فَلاَ تَبْعَدَنْ ، إِنْ المَنَّيَة مَوْعِدٌ ، . . . وَكُلُّ امْرِئ يَوْمًا به الحَالُ زَائِلُ فمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْر ، لَوْ جَاءَ سَالِمًا . . . أَبُو حُجُرٍ ، إِلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ فَإِنْ تَحْيَ لا أَمْلَلْ حَيَاتِي ، وَإنْ تَمُتْ . . . فَمَا فِي حَيَاةٍ بَعْدَ مَوْتِكَ طائِل فَآبَ مُضِلُّوهُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ورواية الأصمعي وأبي عبيدة : " فآب مصلوه " بالصاد المهملة . وفسرها الأصمعي فقال : " أراد : قدم أول قادم بخبر موته ، ولم يتبينوه ولم يحققوه ولم يصدقوه ، ثم جاء المصلون ، وهم الذين جاءوا بعد الخبر الأول ، وقد جاءوا على أثره ، وأخبروا بما أخبر به ، بعين جلية : أي بخبر متواتر صادق يؤكد موته ، ويصدق الخبر الأول . وإنما أخذه من السابق والمصلي ( من الخيل ) " وقال أبو عبيدة : " مصلوه : يعني أصحاب الصلاة ، وهم الرهبان وأهل الدين منهم " . والذي قاله الأصمعي غريب جدًا ، وأنا أرفضه لبعده وشدة غرابته ، واحتياله الذي لا يغني ، ولو قال : " مصلوه " ، هم مشيعوه الذين سوف يتبعون آثاره عما قليل إلى الغاية التي انتهى إليها ، وهي اللحد - لكان أجود وأعرق في العربية ! ! ولكن هكذا تذهب المذاهب أحيانًا بأئمة العلم . والذي قال أبو عبيدة ، على ضعفه ، أجود مما قاله الأصمعي ، وأنا أختار الرواية التي رواها الطبري ، ولها تفسيران : أحدهما الذي قاله الطبري ، وهو يقتضي أن يكون النعمان مات مقتولا ، ولم أجد خبرًا يؤيد ذلك ، فإنه غير ممكن أن يكون تفسيره " مهلكوه " ، إلا على هذا المعنى ، والآخر : " مضلوه " أي : دافنوه الذي أضلوه في الأرض : أي دفنوه وغيبوه ، وهو المشهور في كلامهم ، كقول المخبل : أَضَلَّتْ بَنْو قيْسِ بن سَعْدٍ عَمِيدَهَا . . . وفَارِسَها في الدَّهْرِ قَيْسَ بنَ عاصِمِ فمعنى قول النابغة : كذب الناس خبر موت النعمان أول ما جاء ، فلما جاء دافنوه بخبر ما عاينوه ، صدقوا الخبر الأول . هذا أجود ما يقال في معنى البيت . و " الجولان " جبل في نواحي دمشق ، من عمل حوران . وتبين من شعر النابغة أنه كانت به منازل النعمان وقصوره ودوره .