محمد بن جرير الطبري

474

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

على " الحق " الذي قال تعالى ذكره : " الحق من ربك " . * * * ويعني بقوله : " من بعد ما جاءك من العلم " ، من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بيَّنته لك في عيسى أنه عبد الله = " فقل تعالوا " ، هلموا فلندع = ( 1 ) " أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل " ، يقول : ثم نلتعن . * * * يقال في الكلام : " ما لهُ ؟ بَهَله الله " أي : لعنه الله = " وما له ؟ عليه بُهْلةُ الله " ، يريد اللعن ، وقال لبيد ، وذكر قومًا هلكوا فقال : * نَظَرَ الدَّهْرُ إِلَيْهِمْ فَابْتَهِلْ * ( 2 ) يعني : دعا عليهم بالهلاك . * * * = " فنجعل لعنة الله على الكاذبين " منا ومنكم في أنه عيسى ، ( 3 ) كما : -

--> ( 1 ) انظر تفسير " تعالوا " فيما يلي ص : 483 ، 485 . ( 2 ) ديوانه قصيدة 39 ، البيت : 81 وأساس البلاغة ( بهل ) ، وأمالي الشريف المرتضي 1 : 45 ، من قصيدة مضى بعض أبياتها ، وهي من شعره الذي رثى فيه أربد : وَأَرَى أَرْبَدَ قَدْ فَارَقَنِي . . . وَمِنَ الأَرْزَاءِ رُزْءٌ ذُو جَلَلْ مُمْقِرٌ مُرٌّ عَلَى أَعْدَائِهِ ، . . . وَعَلَى الأَدْنَيْنَ حُلْوٌ كَالْعَسَلْ فِي قُرُومٍ سَادَةٍ مِنْ قَوْمِهِ . . . نَظَر الدَّهْرُ إِلَيْهِمْ فَابْتَهَلْ وهذا التفسير الذي ذكره الطبري لمعنى بيت لبيد ، جيد . وجيد أيضًا تفسير الزمخشري في أساس البلاغة قال : " فاجتهد في إهلاكهم " . وكأن أجود تفسير للابتهال أن يقال : هو الاسترسال في الأمر ، والاجتهاد فيه ، ومعنى البيت : فاسترسل في أمرهم ، واجتهد في إهلاكهم فأفناهم . وأما قوله : " نظر الدهر إليهم " ، فقد قال الجوهري وغيره : " نظر الدهر إلى بني فلان فأهلكهم " ، فقال ابن سيده : " هو على المثل ، وقال : ولست على ثقة منه " . وقال الزمخشري : " ونظر الدهر إليهم : أهلكهم " ، وهو تفسير سيئ ، إذا لم يكن في نسخة الأساس تحريف . وصواب المعنى أن يقال : " نظر الدهر إليهم " ، نظر إليهم مكبرًا أفعالهم ، فحسدهم على مآثرهم وشرفهم . كما يقال : " هو سيد منظور " ، أي : ترمقه الأبصار إجلالا . وإكبارًا . وإنما فسرته بالحسد ، لأنهم سموا الحسد " العين " ، فيقال : " عان الرجل يعينه عينًا ، فهو معين ومعيون " ، والنظر بالعين لا يزال مستعملا في الناس بمعنى الحسد ، وإنما أغفل شارحو بيت لبيد هذا المعنى . ( 3 ) في المطبوعة : " في آية عيسى " ، وهذا لا معنى له هنا والصواب ما في المخطوطة ، وإنما أراد : الكاذبين منا ومنكم في أنه عيسى عبد الله ورسوله ، لا أنه " الله " تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ، وقد مضى في الأثر رقم 7164 ، قولهم : " ولكنه الله " .