محمد بن جرير الطبري
472
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
خبرًا مبتدأ ، وقد تناهى الخبر عن أمر آدم عند قوله : " كنْ " . ( 1 ) فتأويل الكلام إذًا : " إن مثَلَ عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن " ، واعلم ، يا محمد ، أن ما قال له ربك " كن " ، فهو كائن . فلما كان في قوله : " كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن " ، دلالةٌ على أن الكلام يرادُ به إعلام نبي الله صلى الله عليه وسلم وسائر خلقه أنه كائن ما كوّنه ابتداءً من غير أصل ولا أوّل ولا عُنصر ، استغنى بدلالة الكلام على المعنى ، وقيل : " فيكون " ، فعطف بالمستقبل على الماضي على ذلك المعنى . * * * وقد قال بعض أهل العربية : " فيكون " ، رفع على الابتداء ، ومعناه : كن فكان ، فكأنه قال : فإذا هو كائن . * * * القول في تأويل قوله : { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : الذي أنبأتك به من خبر عيسى ، وأنَّ مثله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له ربه " كن " = هو الحق من ربك ، يقول : هو الخبر الذي هو من عند ربك = " فلا تكن من الممترين " ، يعني : فلا تكن من الشاكين في أنّ ذلك كذلك ، ( 2 ) كما : - 7167 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : " الحق من ربك فلا تكن من الممترين " ، يعني : فلا تكن في شكّ من عيسى أنه كمثل آدم ، عبدُ الله ورسوله ، وكلمةُ الله ورُوحه .
--> ( 1 ) انظر الفقرتين الآتيتين ، ففيهما تفسير هذه الجملة السالفة . ولقد بين الطبري عنها بيانًا شافيًا قل أن تظفر بمثله في كتاب من كتب التفسير أو غيرها . والمذهب الذي ذهب إليه أبو جعفر في تفسيره ، هو عندي أرجح من القول الآتي ، وهو الذي اشتهر في كتب التفسير . ( 2 ) انظر تفسير " الامتراء " ، وتفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف 3 : 190 ، 191 .