محمد بن جرير الطبري

448

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

إلى المال ، ويكره أن يعصي عيسى ، فانطلق مع عيسى . ومرّ بالمال أربعة نَفر ، فلما رأوه اجتمعوا عليه ، فقال : اثنان لصاحبيهما : انطلقا فابتاعا لنا طعامًا وشرابًا ودوابَّ نحملُ عليها هذا المال . فانطلق الرجلان فابتاعا دوابّ وطعامًا وشرابًا ، وقال أحدهما لصاحبه : هل لك أن نجعل لصاحبينا في طعامهما سَمًّا ، فإذا أكلا ماتا ، فكان المال بيني وبينك ، فقال الآخر : نعم ! ففعلا . وقال الآخران : إذا ما أتيانا بالطعام ، فليقم كل واحد إلى صاحبه فيقتله ، فيكون الطعامُ والدوابّ بيني وبينك . فلما جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما ، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه ، فماتا . وأعْلِم ذلك عيسى ، ( 6 ) فقال لليهودي : أخرجه حتى نقتسمه ، فأخرجه ، فقسمه عيسى بين ثلاثة ، فقال اليهودي : يا عيسى ، اتق الله ولا تظلمني ، فإنما هو أنا وأنت ! ! وما هذه الثلاثة ؟ قال له عيسى : هذا لي ، وهذا لك ، وهذا الثلث لصاحب الرغيف . قال اليهودي : فإن أخبرتك بصاحب الرغيف ، تعطيني هذا المال ؟ فقال عيسى : نعم . قال : أنا هو . قال : عيسى : خذ حظي وحظَّك وحظَّ صاحب الرغيف ، فهو حظك من الدنيا والآخرة . فلما حمله مَشى به شيئًا ، فخُسِف به . ( 7 ) وانطلق عيسى ابن مريم ، فمر بالحواريِّين وهم يصطادون السمك ، فقال : ما تصنعون ؟ فقالوا : نصطاد السمك . فقال : أفلا تمشون حتى نصطادَ الناس ؟ قالوا : ومن أنت ؟ قال : أنا عيسى ابن مريم ، فآمنوا به وانطلقوا معه . فذلك قول الله عز وجل : " مَنْ أنصاري إلى الله قال الحواريون نحنُ أنصارُ الله أمنا بالله واشهدْ بأنا مسلمون " .

--> ( 6 ) في المطبوعة : " أعلم ذلك لعيسى " ، والصواب ما في المخطوطة . ( 7 ) قوله : " شيئًا " ، أي قليلا ، كقول سالم بن وابصة الأسدي : غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ خَلَّةٍ . . . فإن زادَ شيئًا ، عَادَ ذَاكَ الغِنَى فَقْرَا وكقول عمر بن أبي ربيعة : وقالت لَهُنَّ : ارْبَعْنَ شيئًا ، لَعَلَّنِي . . . وَإنْ لامَني فِيمَا ارْتَأَيْتَ مُلِيمُ وهذا من نوادر اللغة ، مما أغفلت بيانه المعاجم .