محمد بن جرير الطبري
445
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ويسقيهم من الخمر ، فإن لم يفعل عاقبه ، وإنه قد بلغت نَوبتُه اليوم الذي يريد أن نصنع له فيه ، وليس لذلك عندنا سعة ! قالت : فقولي له لا يهتم ، فإني آمر ابني فيدعُو له ، فيُكْفَي ذلك . قالت مريم لعيسى في ذلك ، قال عيسى : يا أمَّهْ ، إني إن فعلت كان في ذلك شرٌّ . قالت : فلا تُبالِ ، فإنه قد أحسنَ إلينا وأكرمنا ! قال عيسى : فقولي له : إذا اقترب ذلك ، فاملأ قُدُورك وخوَابيك ماء ، ثم أعلمني . ( 1 ) قال : فلما ملأهنَّ أعلمه ، فدعا الله ، فتحوَّل ما في القدُور لحمًا ومَرَقًا وخبزًا ، وما في الخوابي خمرًا لم ير الناس مثله قطّ وإياه طعامًا . ( 2 ) فلما جاء الملك أكل ، فلما شرب الخمرَ سأل : من أين هذه الخمر ؟ قال له : هي من أرض كذا وكذا . قال الملك : فإنّ خمري أوتَي بها من تلك الأرض ، فليس هي مثل هذه ! قال : هي من أرض أخرى . فلما خلَّط على الملك اشتدّ عليه ، قال : فأنا أخبرك ، عندي غلام لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه ، وإنه دعا اللهَ ، فجعل الماءَ خمرًا . قال الملك = وكان له ابنٌ يريد أن يستخلفه ، فمات قبل ذلك بأيام ، وكان أحب الخلق إليه = فقال : إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرًا ، ليُستجابَنّ له حتى يُحييَ ابني ! فدعا عيسى فكلمه ، فسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه ، فقال عيسى : لا تفعلْ ، فإنه إن عاش كان شرًا . فقال الملك : لا أبالي ، أليس أراه ، فلا أبالي ما كان . فقال عيسى عليه السلام : فإن أحييته تتركوني أنا وأمي نذهب أينما شئنا ؟ قال الملك : نعم . فدعا الله فعاش الغلام . فلما رآه أهل
--> ( 1 ) الخوابي جمع خابية : وهي الحب ( بضم الحاء ) ، والحب : جرة ضخمة يجعل فيها الماء والخمر وغيرهما . ( 2 ) هذه الكلمة : " وإياه طعامًا " هكذا هي غير منقوطة في المخطوطة ، وأما المطبوعة ، فإنها جعلتها " وإياه طعامًا " ، ولم أجد لها وجهًا أرتضيه . وقد رأيت كل من نقل خبر السدي قد أسقط هذه الكلمة من روايته ، فأسقطها الثعلبي في قصص الأنبياء : 341 ، والبغوي في تفسيره ( بهامش ابن كثير ) 2 : 146 ، والدر المنثور 2 : 34 ، وغيرهم . وأنا أستبعد أن تكون زيادة من الناسخ ، وأقطع بأنها ثابتة في أصل أبي جعفر ، ولكني لم أجد لها وجهًا من وجوه التصحيف أحملها عليه ، ولكنها ولا شك تعني : " وهيأ طعامًا " . وأرجو أن يوفق غيري إلى معرفة صوابها ، وأسأل الله أن يوفقني إلى مثله .