محمد بن جرير الطبري
438
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : وبأني قد جئتكم بآية من ربكم ، وجئتكم مصدقًا لما بين يديّ من التوراة ، ولذلك نصب " مصدّقًا " على الحال من " جئتكم " . والذي يدل على أنه نصب على قوله : " وجئتكم " ، دون العطف على قوله : " وجيهًا " ، قوله : " لما بين يديّ من التوراة " . ولو كان عطفًا على قوله " وجيهًا " ، لكان الكلام : ومصدّقًا لما بين يديه من التوراة ، وليحل لكم بعض الذي حرم عليكم . ( 1 ) * * * وإنما قيل : " ومصدّقًا لما بين يديّ من التوراة " ، ( 2 ) لأن عيسى صلوات الله عليه ، كان مؤمنًا بالتوراة مقرًا بها ، وأنها من عند الله . وكذلك الأنبياء كلهم ، يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله ، وإن اختلف بعضُ شرائع أحكامهم ، لمخالفة الله بينهم في ذلك . مع أنّ عيسى كان - فيما بلغنا - عاملا بالتوراة لم يخالف شيئًا من أحكامها ، إلا ما خفَّف الله عن أهلها في الإنجيل ، مما كان مشددًا عليهم فيها ، كما : - 7111 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الكريم قال ، حدثني عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهب بن منبه يقول : إن عيسى كان على شريعة موسى صلى الله عليه وسلم ، وكانَ يسبِت ، ويستقبل بيت المقدس ، فقال لبني إسرائيل : إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة ، إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، وأضع عنكم من الآصار . ( 3 )
--> ( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 216 . ( 2 ) انظر تفسير " لما بين يدي " و " لما بين يديه " فيما سلف من هذا الجزء : 160 ، 161 . ( 3 ) الآصار جمع إصر ( بكسر فسكون ) : وهو العهد ، أي ما عقد من عقد ثقيل عليهم ، مثل قتلهم أنفسهم ، وما أشبه ذلك من قرض الجلد إذا أصابته النجاسة ، وغير ذلك من الأحكام المشددة .