محمد بن جرير الطبري
432
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا ، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه ، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله . * * * وأما قوله : " وأنبئكم بما تأكلون " ، فإنه يعني : وأخبرُكم بما تأكلون ، مما لم أعاينه وأشاهده معكم في وقت أكلكموه = " وما تدّخرون " ، يعني بذلك : وما ترفعونه فتخبَأونه ولا تأكلونه . = يعلمهم أنّ من حجته أيضًا على نبوّته = مع المعجزات التي أعلمهم أنه يأتي بها حجة على نبوّته وصدقه في خبره أنّ الله أرسله إليهم : من خلق الطير من الطين ، وإبراءِ الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ، التي لا يطيقها أحدٌ من البشر ، إلا من أعطاه الله ذلك عَلَمًا له على صدقه ، وآيةً له على حقيقة قوله ، من أنبيائه ورسله ، وَمن أحبّ من خلقه = ( 1 ) إنباءَه عن الغيب الذي لا سبيل لأحد من البشر الذين سبيلُهم سبيلُه ، عليه . ( 2 ) * * * قال أبو جعفر : فإن قال قائل : وما كان في قوله لهم : " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " من الحجة له على صدقه ، وقد رأينا المتنجِّمة والمتكهِّنة تخبرُ بذلك كثيرًا فتصيب ؟ قيل : إن المتنجِّم والمتكهِّن معلوم منهما عند من يخبرانه بذلك ، ( 3 ) أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه . ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه ومن سائر أنبياء الله ورُسله ، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج ، ولا طلب لمعرفته باحتيال ، ولكن ابتداءً بإعلام الله إياه ، ( 4 )
--> ( 1 ) قوله : " إنباءه " خبر " أن " في قوله آنفًا : " أن من حجته أيضًا على بنوته . . إنباءه " . ( 2 ) قوله " عليه " من تمام قوله : " الذي لا سبيل لأحد . . . " . ( 3 ) في المخطوطة والمطبوعة : " عند من يخبره بذلك " وسياق الضمائر يقتضي ما أثبت . ( 4 ) في المطبوعة : " ولكن ابتدأ " ، والصواب ما أثبته ، ولم يحسن الناشر قراءة المخطوطة .